الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٨ثُمَّ أخذَ فِي:
بَيَان ما تَكُون فِيه الْحُجَّةِ من الْعَقْل، فقال:
هُما طَريقَانِ لِحُكمِ … الشارِعِ … لِلعَقلِ إدرَاكُ … ثُبوتِ الصانِعِ
وهَكَذَا الإِدرَاكُ … لِلصِّفاتِ … مِن جَانِبِ السلبِ … أَو الإِثبَاتِ
كَالْعِلْمِ والقُدْرَةِ إِثبَاتًا … ومَا … عَنه انتَفَى … كَالجَهلِ والعجزِ اعْلَمْا
يَعنِي: أَنَّ السمعَ والْعَقْل طَريقَان إِلَى مَعْرِفَةِ حُكم الصانِع المختارِ الشارع للأَحْكَام، الْمُبَيِّن للحلالِ والحرامِ - سبحانه وتعالى -، فَكَمَا أَنَّ السمعَ يَكُونُ طريقًا إِلَى مَعْرِفَةِ المسموعَات، كذَلِكَ الْعَقْلُ يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَة الْمَعقولاَت.
وقد جَعَلَ رَبُّنا - سبحانه وتعالى - السمعَ حُجَّةً فِي المسموعاتِ التي لاَ تُدرَك إِلاَّ مِن جِهَةِ النقلِ، وجَعَلَ الْعَقْلَ حُجَّة فِي المعقولاتِ التي يُدرِكُها الْعَقْلُ بطريقِ الفطرَةِ والْقُوَّةِ الْعَقْليَّة، ولَيسَ الْعَقْلُ حاكمًا فِي شَيْء وَإن كانَ حُجَّة فِي المعقولات، كما أَنَّ السمع ليس /66/ بِحاكم فِي شَيْء وإن كان حجَّة فِي المسموعاتِ بَل الحاكمُ فِي جَمِيع ذَلِكَ هُو الشَّرْع، فَجَعَلَ الْعَقْلَ حُجَّة فِي ما تُدرِكُه العقُول، وجَعَلَ السمعَ حجَّةً فِيما لاَ تُدرِكه العقولُ إِلاَّ بواسطَةِ السمعِ ومَا كانَ فِي حُكمِه كَالنظرِ فِي الكتبِ، وَالإشاراتِ الْمَفهُومة، والدلائلِ الْمَعلُومةِ، فلَيسَ الْعَقْلُ بِحَاكِم بَل هُو حجَّة فَقط كمَا سَيأتي فِي تَحريرِ الْمَقَام.
ويَكُونُ الْعَقْل حجَّة فِي الأُمُورِ الْمَعقُولَة التي لا تَتوقَّف عَلَى السماعِ، وذَلِكَ كَمَعْرِفَة وُجُودِ الصانعِ المختارِ - سبحانه وتعالى -، فإنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ الْمُحدثَة المشاهدَة بالبصرِ واللمسِ والسمع وغيرهَا دَالَّة عَلَى أَنَّ لَها فَاعلاً