الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧وثانيهما: أَنَّ الْكَلاَم المسموعَ إِنَّمَا يَقعُ من الْمُحدِّثِ بآلةٍ /65/ مَخصوصَة معَ سلامَة الآلَةِ، فإن فَقَد الآلَة أَو اعتَرتْهَا آفَة يستحيل منه الكلامُ، فلو كانَ الكلام يَصحُّ منه عِندما يَذهب حسُّه وتعرَاه آفَة لَمَا منعَه ذَلِكَ منَ الْكَلاَم، وَفي عِلمنَا بِبطلاَن كلامِه عِند اعتراضِ الآفةِ ما دلَّ عَلَى أَنَّهُ معَ فَقدِ اللسانِ لا يصحُّ الْكَلاَم.
وثَالِثُهَا: أَنَّ الْكَلاَم إِنَّمَا يُسمَع من العَالِم إِذَا كانَ قَادرًا عَلَيهِ، ومَهمَا كانَ الْكَلاَم مُنتظمًا دلَّ عَلَى كَونِه عَالِمًا، وباختلاطِ كَلاَمِه يُحكَم عَلَى قائلِه بالحمقِ والعيِّ والعمى والجهلِ، وبذَلِكَ يُفصلُ بَيْنَ العَالِم والْجاهِلِ، فلَو كانَ يَصحُّ من الجمادِ الْكَلاَم المنتظِم كما يَصحُّ من الحيوانِ، ويَصحُّ من الْجَاهِلِ صحَّته من العَالِم، ويَصحُّ من الأحمقِ صحَّته منَ العاقلِ لَمْ يَكُن لنا سَبيلٌ إِلَى الفرقِ بَيْنَ هَؤُلاَء بأفعالِهم وأقوالِهم، وَفي صِحَّة استِدلاَلِنا بِما ذكرناه، الفصل بَيْنَهم أَوضَح دليلٍ عَلَى فسادِ قَول مَن أجازَ الْكَلاَمَ مِنْهُمْ.
ورَابِعهَا: أنَّنا إِنَّمَا نَعرفُ كَون الغيرِ حيًّا بِكونِه جائزًا مِنه الفِعل والْعَمَل، ويُعرَفُ كَونُه عَالِما بأَفعَالِه المنتظمَة وصِحَّة كَلاَمِه وتَرتيِبه، ويُعرَف كَونه قادرًا بِجَوَاز الفعلِ مِنه، فلَو صحَّ الْكَلاَمُ عَلَى تَرتيِبه مِن غَير الحيِّ لَمْ يَكُن لنا سبيلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ كونِ الغيرِ حيًّا، ولا الفَرق بَيْنَه وبَيْنَ ما لَيسَ بِحيٍّ.
والذي يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعنِ به تَسبيحًا مَسموعًا، أَنَّهُ لو أرادَ بذَلِكَ تسبيحًا مَسموعًا لَقَالَ: "ولَكِن لاَ تَسمَعون تَسبيحَهمُ"، فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ دلَّ عَلَى أَنَّه تَسبيحٌ مِن غَير جِهَة النطقِ، وَالله أَعلَم.