الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٣قَالَ: وسُئلَ أبو حَنِيفَة مرَّة أُخرَى فتمسَّك بأنَّ /69/ الوالدَ يُريدُ الذكرَ فيَكُون أُنثى وبالعكس، فدلَّ عَلَى الصانعِ.
قَالَ: وتَمسَّك أَحمد بن حَنبل بقلعَة حَصينَةٍ مَلسَاء لاَ فُرجَة فِيها، ظاهرهَا كالفضَّة المذابَة، وباطنها كالذهبِ الإبريز، ثُمَّ انشقَّت الجدرانُ وخرجَ من القلعَة حَيوان سَميعٌ بَصير فلاَ بدَّ من الفاعلِ عَنَى بالقلعةِ البيضة، وبالحيوانِ الفَرخ.
قَالَ: وسألَ هارونُ الرشِيد مَالِكًا عَن ذَلِكَ فاستَدَلَّ باختِلاَف الأصواتِ، وتَردِّدِ النغماتِ، وتَفاوُت اللغاتِ. قَالَ: وسئلَ أَبو نوَّاس فَقَالَ:
تَأمَّل فِي نباتَ الأَرْضِ … وَانظُر … إِلَى آثارِ مَا … صَنعَ المليكُ
عُيونٌ مِن لُجَينٍ … شاخِصاتٍ … وأزهَارٍ كمَا … الذهبُ السبيكُ
عَلَى قُضُبِ الزبَرجَد … شَاهدَات … بأنَّ اللهَ لَيسَ … لَه شَريكُ
قَالَ: وقِيلَ لِطبيبٍ: بِمَ عَرفتَ رَبَّك؟ قَالَ: بإهْلِيلَج مُجفّف أَطلَق، ولُعابٍ مُلين أمسك. يَعنِي: أَنَّ الإهْلِيلج الْمجفّف لَمْ يَفعل الإطلاَق مِن قِبَلِ نَفسِه، ولَو كانَ ذَلِكَ مِن قِبَل نَفسِه لَما فعلَ الإطلاَق؛ لأَنَّ المناسِب لِلمجفّف الإمسَاك لا الإطلاَق، وكذَلِكَ اللعابُ المليِّنُ إِنَّمَا يُناسِب حاله فِعل الإطلاَق، فَلَمَّا فعَل الإمساكَ وَهُوَ ضدُّ المناسبِ لَه عُلِم أَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِن فِعل طَبعه بنفسه، وَإِنَّمَا هُو مِن فِعل غَيره فِيه، وذَلِكَ الفاعلُ هُو الصانِعُ المختَار، وَالله أَعلَم.