الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٢قَالَ: وجاءَ فِي دياناتِ الْعَرَب أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعَمران بن حُصين: كم لكَ من إِله؟ قَالَ: عَشرَةَ. قَالَ: فَمَن لِغَمِّك وكربِك ودفعِ الأَمْرِ العظيمِ إِذَا نزلَ بكَ مِن جُملَتِهم؟ قَالَ: الله. قالَ - عليه السلام -: «ما لكَ مِن إلَه إِلاَّ الله».
قَالَ: وكانَ أبو حَنِيفَة سَيفًا عَلَى الدهريَّة، وكَانُوا يَنتهزونَ الفرصَة ليقتُلوهُ، فَبَيْنَما هُو يومًا فِي مَسجدِه قاعدًا إِذ هَجمَ عَلَيهِ جَمَاعَة بسيوف مَسلولَة وهَمُّوا بقَتلِه فقالَ لَهم: أَجيبونِي عَن مَسألَة ثُمَّ افعلُوا مَا شِئتم. فقالُوا لَه: هَات. فَقَالَ: مَا تقولونَ فِي رجلٍ يَقُولُ لَكم إِنِّى رأَيت سَفينة مَشحونَة بالأحمالِ، مَملوءَة بالأثقالِ، قَد احتوشَها فِي لُجَّة البحرِ أَمواج متلاطمَة، ورياحٌ مُختلفَة، وهي مِن بَيْنَها تَجري مُستويَة لَيسَ لَها مَلاَّح يُجريهَا، ولاَ مُتعهِّد يَدفعُها، هَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْل؟ قَالُوا: لاَ، هَذَا شَيْء لاَ يقَبْلَه الْعَقْل. فقالَ أبو حَنِيفَة: يا سُبحان الله، إِذَا لَمْ يَجز فِي الْعَقْل سَفينة تَجري فِي البحرِ مُستويَة من غَير مُتعهِّد ولا مُجرٍ، فكَيفَ يَجُوزُ قِيَام هَذِهِ الدنيا عَلَى اختِلاَفِ أحوالِها، وتَغيُّر أعمالِها، وسِعَة أطرافهَا، وتبايُن أكنافهَا من غَير صانعٍ وحافظٍ؟ فَبكوا جَميعًا وَقَالُوا: صَدَقت وأغمَدوا سُيوفَهم وتابُوا.
قَالَ: وسألُوا الشافعِي: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصانعِ؟ فَقَالَ: وَرَقَة الفرصَاد: طَعمُها ولَونُها ورِيحها وطَبعُها واحدٌ عِندَكم؟ قَالُوا: نَعم. قَالَ: فَتأكُلُها دُودة القزِّ فيخرج منهَا الإبريسَم، والنحلُ فيخرجُ منها العسَل، والشاةُ فَيخرج منهَا البعرُ، ويَأكلُها الظباءُ فَينعقِد فِي نَوافجِها المسك، فمَن الذِي جَعَلَ هَذِهِ الأَشيَاء كذَلِكَ مع أَنَّ الطبعَ واحِد؟ فاستحسنُوا مِنه ذَلِكَ وأسلمُوا عَلَى يَدِه وهم سَبعة عَشَر.