الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٨٨الأَمر الثَّانِي: في دم الأنعام وغيرها من سائر الْحَيوَانات، وفيه بَحثان:
البحث الأَوَّل: في تَحْرِيم الدَّم
فَإِنَّهُ يقال: إن من العرب مِن كان يأكل الدَّم، ولذا ذكره الله تَعَالَى في الْمُحَرَّمَات من الْحَيوَانات؛ فَقَالَ عزَّ مِن قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ … ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْميتَة وَالدَّمَ … ﴾ الآية، فجَمِيع الدِّمَاء حرام لِهذه الآيات.
أَمَّا دَم السمك: فلا يَدخل في التَّحْرِيم؛ لأَنَّ الكلام في دِماء الْحَيوَانات البرية؛ أَمَّا البحريَّة فقد أحلَّها الله تَعَالَى بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، وَلَمْ يستثن من العموم شيئا، فهو على العموم حتى يرد الْمُخصِّص. ووافقنا على ذَلِكَ أبو حنيفة، وخالفنا الشافعي فحرَّم جَمِيع الدِّمَاء مُتمسِّكا بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ … ﴾.
وَأُجِيبَ: بأنَّ عموم هَذه الآية مُخصَّص بقوله تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ الآية، فَإِنَّهُ تَعَالَى وصف الدَّم الْمحرَّم في هذه الآية بِأَنَّه الْمَسفوح، فَاقتضى أن مَا عدا الْمسفوح من الدِّمَاء ليس بِحرام.
قُلْتُ: وهذا الْجَوَاب يقضي بِحلِّ الدِّمَاء غَيْر الْمَسْفُوحة مِن الْحَيوَانات الْبَرِّيَّة، والغرض الْمطلوب إباحَة دَم /300/ السمك لا غَيْر.