الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٣وذَلِكَ لأَنَّ التبيُّنَ مُشتقٌّ من البَيْنُونَة والإبانَة، وهِي عِبَارَة عَن التفريقِ بَيْنَ أَمْرَين متَّصلين، فإذَا حصَل فِي القلبِ اشتبَاه صُورَة بِصورَة ثُمَّ انفصلَت إحداهُما عَن الأُخرَى فَقَد حَصَلت البَيْنُونَة؛ فلهَذَا السبَب سُمِّيَ ذَلِكَ بَيَانا وتِبيانًا، ومَعلُوم أَنَّ ذَلِكَ فِي حقِّ /75/ الله تَعَالىَ مُحَال.
وَاحتَجَّ الآخَرونَ بوُجُوه:
الأَوَّل: أَنَّ أسماءَ الله وصِفَاتهِ مَذكورَة بالفارسيَّة وبالتركيَّة وبالهنديَّة، وأنَّ شَيْئًا مِنها لَمْ يَرِد فِي القُرْآن ولاَ فِي الأخبارِ، مَع أَنَّ المسلمينَ أَجَمَعَوا عَلَى جَوَازِ إطلاقهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الله تَعَالىَ قَالَ: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والاسمُ لاَ يَحسُن إِلاَّ لدلالته عَلَى صِفَاتِ المدحِ ونعوتِ الجلال، فكلُّ اسم دلَّ عَلَى هَذِهِ المعانِي كانَ اسما حسنًا، فوَجَبَ أن يَجُوز إطلاَقه فِي حقِّ الله تَعَالىَ تَمسُّكا بِهذه الآية.
الثالث: أَنَّه لا فَائِدَة فِي الألفاظ إِلاَّ رعايَة المعاني، فإذا كَانَتْ المعاني صحيحَة كانَ المنعُ مِن إطلاقِ اللفظَة المعيَّنَة عَبثا.
وَاحتَجَّ الغزالِي عَلَى قَولِه بالتَّفرِقَة بَيْنَ الاسمِ والصِفَةِ، بأنَّ وضعَ الاسم فِي حقِّ الواحد مِنَّا يُعدُّ سوء أدَب، ففِي حقِّ الله أولَى.
أَمَّا ذِكر الصِفَات بالألفاظِ المختلفَة، فهو جائزٌ فِي حقِّنا من غَير مَنع فكذَلِكَ فِي حقِّ البارِي تَعَالىَ.
وللمانعِ أن يَقُولَ: إِنَّه لَيسَ كُلُّ ما جازَ فِي حقِّنا يَجُوزُ فِي حقِّ الله تَعَالىَ، فَيبطل احتجَاج الغزالي.
ولَو احتجَّ عَلَى قَولِه بأنَّ الأسماءَ لاَ بُدَّ مِن التوقيفِ عَلَيهَا؛ لأَنَّ وضعَ