الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١١٨بالغمس على الْجَمِيع إِلاَّ النحل، فإن الغمس قد يؤدِّي إلى قتله وهو حرام.
قُلْتُ: لكن الظاهر الْمتبادر أنَّ الْمُرَاد بالذباب /320/ في الْحَدِيث هو الْمَعروف عند العوامِّ من العرب؛ لأَنَّه هو الذي تكثر مُخالطته، وهو الذي عمَّت بِه البلوى، وهو الْمعروف بتقديم أَحَد جناحيه!، قيل: وهو الأيسر منهما عند الوقوع في الطعام، ويبعد أن يكون الْمُرَاد من الْحَدِيث كُلّ ما يَصِحُّ إطلاق اسم الذباب عليه في اللغة، فَإِنَّهُ وإن كان اللفظ في أصل اللغة مُتَناولا له لكن قرائن الْحال خصَّصت عمومه.
ثُمَّ إنَّ حَمل الأمر هَاهُنَا على الوجوب فيه نظر، إذ الظاهر أنَّه من باب الإشفاق والإرشاد إلى مصالح العباد كما يَدُلُّ عليه التعليل بأن في «إِحْدَى جَنَاحَيهِ دَاء … » الخ.
ولقائل أن يقول: إن التعليل قاض بالوجوب للقطع بتَحْرِيم الْمضرَّات من الْمأكولات، وإذا ثبت بنصِّ السنة أن «فِي أَحَدِ جَنَاحَيهِ دَاء» عَلِمنا أن ما وقع فيه الداء من الأطعمة مُضرٌّ، وقد نُهينا عن إضاعة الْمال، فلا يُمكن إراقة ما وقع فيه مع وجود ما يُصلحه وهو الْجناح الآخر.
ويُمكن أن يُجَابُ عنه: بأن ذَلِكَ الداء يسير لا يبلغ ضرره إلى تَحْرِيم الطعام، بدليل أَنَّهُ لو وقع الذباب فيه ثُمَّ طار قبل أن يَمقله أَنَّهُ لا قائل بإراقته، والْحَدِيث ساكت عنه؛ فيستفاد من سكوته جواز تَناوله، إذ لو لَمْ يكن جائزا لنَبَّه عليه، وَاللهُ أَعلَم.