معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

وبالْجُملَة: فلا يُوجَد عاقلٌ صحيح الْعَقْل إِلاَّ ويَخطر بباله مَعْرِفَة خالقه، سوَاء سَمع أَو لَمْ يَسمع، وقَد يُوفَّق إِلَى الْحَقِّ فِي مَعْرِفَة الله فَيسلم، وقَد يَضلُّ فَيهلَك، فأمَّا مَن لَمْ يَخطر بباله أَنَّ له خَالقا فَذَلِكَ ناقصُ الْعَقْل، وناقصُ الْعَقْل غَير مُكلَّف إِجْمَاعًا، فالْحُجَّةُ فِي معانِي الْجُملَةِ إِنَّمَا تَقوم بالْعَقْل؛ لأَنَّها تُدرك بالعقولِ، والْحُجَّة فِي التَّشَهُّد بِهَا باللسانِ إِنَّمَا تَكُون من طَرِيقِ السمعِ؛ لأَنَّها مِن طَرِيق النقلِ، فإذَا اعتقدَ الْمُكَلَّف الذِي لَمْ يَسمع بألفاظِ الْجُملَة حَقِيقَة معانيها كانَ مُسلما عندَ الله وعندَ الخلقِ، فإن قامَت عَلَيهِ حُجَّة ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيهِ أن يتَشهَّد بِهَا باللسان.

قال ابن عَرفَة المالكي: /78/ فِي النطقِ بأن يَقُولُ: "أشهَد أن لا إلَه إِلاَّ الله، وأشهَد أَنَّ مُحَمَّدا رَسُول الله" لاَ يَكفي فِي الدخُول فِي الإِسلاَم غَير ذَلِكَ، وجَزم بِمثله بَعْضُ المتأخِّرين من الشافعيَّة مُعلِّلا بأنَّ الشارع تعبَّدنا هُنا بلفظِ "أشهَد" فلاَ يُجزِئ إبدالُه ب"أعْلَمُ" وإن ساوَاه فِي مُطلق الْعِلْم، إذ الشهادَة أخصُّ. ويوجدُ عَن غَيرهم أَنَّهُ لا يتعيَّن النطقُ بأشهد فِي الشهادتَين بل يَكفي ما يَدُلُّ عَلَى الإيمان.

قُلْتُ: وَهُوَ ظاهرُ مذهبِ أبي سَعِيد - رضي الله عنه - وهَذَا كُلُّه مَبنِي عَلَى أَنَّ التلفُّظ بالْجُملَة شَطر من الإيمان، أَو شَرط لصحَّته حَتَّى لاَ يَتمَّ بدونِه، وَهُوَ قَول جُمهُور أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم.

وَقيل: إِنَّ التلفُّظ بالْجُملَةِ لَيسَ بِشرط مُطلقا بل يَصحُّ الإيمانُ بالتصديق بِهَا من غَير تلفُّظ إِلاَّ لِمَنْ كانَ مُشركا، أَو فِي دارٍ يُحكم عَلَى أَهْلِها بالشركِ فَطُولِب بالنطقِ بِهَا، فَإنَّهُ فِي هَذين الحالَين لا يُجزِئ إِلاَّ التلفُّظ بِهَا إِجْمَاعًا؛ فأمَّا المشرك فَإنَّهُ قد عصَى بلسانِه وقَلبِه، ولا يُجزِئه التوبَة بِقلبه بل لاَ بُدَّ منَ التَّلَفُّظ باللسانِ؛ لأَنَّ «التوبَة مِن السريرَة بالسريرَة، ومِن العلانيَّة

١٤٨ / ٥٬٣٨٩