الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٦٧قال أبو قلابة: "غدونا مع أنس بن مالك إِلَى الزاوية فحضرت صَلاَة الصبح فمررنا بِمَسْجِد، فَقَالَ أنس: لو صلَّينا /60/ في هَذَا الْمَسْجِد؟ فَقَالَ بعض القوم: حَتَّى نأتي الْمَسْجِد الآخر، فَقَالَ أنس: أي مَسْجِد؟ قالوا: مَسْجِدًا حدث الآن، فَقَالَ أَنس: إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «سَيَأتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَتبَاهَونَ فِي الْمَسَاجِدِ ولاَ يَعمُرُونَها إِلاَّ قَليلاً».
ثُمَّ اختَلَفَ الفقهاء في حدِّ الفسح عن الْمَسْجِد لِمن شَاء أن يُجدِّد مَسْجِدًا آخر:
- فَقَالَ أبو معاوية -رَحِمَهُ اللهُ-: يفسح عنه قدر ما إذا سَمع الأذان، فأراق البول وتَوَضَّأ، ثُمَّ ذهب إِلَى الْمَسْجِد لَمْ يدرك الصَّلاَة في الْجَمَاعَة، ويُمنع ما دون ذَلِكَ.
ولعلَّ حُجَّته أن الْخُروج إِلَى الْجَمَاعَات لا يلزمهم قَبل الأذان، فَإِذَا أذَّن الْمُؤَذِّن توجَّه الأمر إِلَى إجابته، وجاز لَهم أن يشتغلوا بِما لاَ بُدَّ منه للتهيُّئ للصَّلاَة، فَإِذَا فاتتهم الصَّلاَة مع ذَلِكَ جَاز أن يبنوا مَسْجِدًا تُمكنهم الصَّلاَة فيه عَلَى هَذَا الْحال.
- وقيل: يَجُوز في العمران من القرية ما لَمْ يتراء الْمَسْجِدَان أو يَخرب الأَوَّل لِعمارة الآخر فَيمنع؛ لأَنَّه من الضرار.
وَأَمَّا الترائي فلَعَلَّهُ لكراهَة تكثير الْمَسَاجِد؛ فَإِذَا لَمْ يتراءيا صار كُلُّ وَاحد منحازا إِلَى جهَة فَكأنَّه في حَارة أخرى.
- وقيل: بِجَوازه فِي قرب الْمَسْجِد الأَوَّل لِمَن لَمْ يَقدر أن يبلغ إِلَيْهِ رخصةً من الفقهاء للشيخ إذا /61/ ضعف عن الوصول إِلَى الْمَسْجِد الكبير.