الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٦٦الأمر السابع: فيما يؤمر به من الفسح بَيْنَ الْمَسْجِدين
اعلم أن الْمَأمُور به التباعد بَيْنَ الْمَسَاجِد ليعظم الأجر، وتكثر الْحَسَنات للقاصد إِلَيْهَا، قال أبي بن كعب: كَانَ رَجُل ما أعلم أحدا من أهل الْمَدِينَة /59/ مِمَّن يُصَلِّي إِلَى القبلة أبعد منزلا منه من الْمَسْجِد، وكان لا تُخطئه الصَّلَوَات مع الرَّسُول - عليه السلام -، فقيل له: لو اشتريت حِمارا لتركبه في الرمضاء والظلماء، فَقَالَ: "والله ما أحبُّ أن منزلي يلصق الْمَسْجِد، فأخبر رَسُول الله بذَلِكَ فسأله، فَقَالَ: يا رَسُول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إِلَى أهلي وإقبالي وإدباري، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام: «لَكَ مَا احتَسَبتَ أَجْمَع».
وقال جابر: خلت البقاع حول الْمَسْجِد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إِلَى قرب الْمَسْجِد، فبلغ ذَلِكَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهم: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُم تُريدُونَ أَن تَنتَقِلُوا إِلَى قُربِ الْمَسْجِدِ»، فَقَالَوا: نعم، وقد أردنا ذَلِكَ، قَالَ: «يَا بَنِي سَلَمَة دِيَارُكُم تَكْتُبُ آثَارَكُم».
وعن أبِي سعيد الْخدري أن هَذِه الآية نزلت في حقِّهم ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
ويُنهى عن تكثير الْمَسَاجِد وتقاربها في البلاد الواحد؛ لِما يؤول في ذَلِكَ من تشتُّت الْجماعات، وتفرُّق الأصحاب، وتقليل العمارة للمساجد، وتفويت الأجر الْحاصل بكثرة الْجَمَاعَة.