معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

فظَهَرَ أَنَّ إدراكَ الشَّيْء ومَعرفته غَير الحكم بِه، وسقطَ بذَلِكَ الدورُ الذِي ذَكَره بَعْضُ العُلَمَاء فِي هَذَا الْمَقَام.

وذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّهُ لو لَم يَكن العقل حاكما بِمعرفة الله لتوقَّفت معرفة الله عَلَى معرفة رسله، وتوقفت معرفة الرسل عَلَى معرفة الله.

وَجَوَابُه: ما مرَّ، وَهُوَ أنَّا نُفرِّق بَيْنَ الحكمِ والْمَعرِفَة، فَمَعْرِفَة الله - سبحانه وتعالى - حَاصلة بالعقولِ، والحكم بِوُجُوبِها ثابِت بِطَرِيق /86/ الشَّرْع فلاَ دَور، وثَبَت بِهَذَا التحقيقِ الْحَقّ الذِي غَلب العقولَ بَيَانُه فلاَ يُمكِّن المعارِض دَفعه، وَالله أَعلَم.

وَفي الْمَقَام مسائل:

الْمَسأَلة الأولى: [هل الْعَقْلَ حَاكِم فِي الأَشيَاء كُلّها؟]

ذهبت الْمُعتَزِلَة خلافا للأمَّة إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ هو الْحَاكِمُ فِي الأَشيَاء كُلِّها، وأنَّ الشَّرْع إِمَّا مُؤكِّد لِحكم الْعَقْل، وَإِمَّا مُبَيِّن لِمَا خَفِي عَلَى الْعَقْلِ بَيَانه، وجَعَلُوا الشَّرْع كالطبيبِ الذِي يَصف طَبائعَ العقاقيرِ، فإنَّ طبائعَ العقاقير مَوجُودة فِيها ولَو لَمْ يُبَيِّنها الطبيبُ، لَكِنَّها تَخفى عَلَى أكثرِ الناس، فكذَلِكَ الشَّرْع فِي بَيَان ما خَفِي عَلَى الْعَقْلِ حُكمُه.

قَالُوا: فمَا يُدرك جِهَةِ حُسنِه أَو قُبحِه بالْعَقْلِ مِن الأَفعَالِ التي لَيسَت اضطراريَّة يَنقسِم إِلَى الأَقْسَام الْخَمْسَة؛ لأَنَّه إن اشتملَ تَركُه عَلَى مفسدة فواجبٌ، أَو فِعله فَحرام، وَإِلاَّ فإن اشتملَ عَلَى مَصلحَة فَمندوب،

١٦٢ / ٥٬٣٨٩