الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦١فالشَّرْعُ هُو القاضي بِجَمِيع ذَلِكَ لا الْعَقْل؛ لأَنَّ الْعَقْلَ إِنَّمَا هو آلَة لفهم الخطابِ، وشرطٌ لصِحَّة التَّكلِيفِ، ولَيسَ بِحَاكِم، فَدَع عَنك الممارَاة فِي هَذَا البابِ، فإنَّ مَا ذَكرنَاه هُو فَصل الخطابِ.
فالْعَقْلُ وَإن كانَ يَستحسنُ أَشيَاءَ وَيستقبح أَشيَاء أخَر، فَذَلِكَ الاستِحسان وذَلِكَ الاستقباحُ لَيسَا شَرعيين، وَإِنَّمَا هُما لِمُوافقَة الأغراضِ ومُلاءمة الأطباعِ، ولذَا ترَى بَعْضَ الناسِ فِي بَعْضِ الأَمكنَة يَستحسنُون أَشيَاءَ يَستقبِحها غَيرهم، فَلَو لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الاِستحسَان وذَلِكَ الاستقباحُ لِموافقة الأغراضِ، لَمَا حَسُنَ عِند قومٍ مَا استُقبِح عندَ آخَرين.
نَعم، قد يُدرك الْعَقْل صِفَةَ الكمالِ كَإدراكِه مَعْرِفَة الله - سبحانه وتعالى -، وَأَنَّهُ واحِد لا شَريكَ لَه، وَأَنَّهُ الفاعلُ المختارُ لِمَا يشاء، وَأَنَّهُ قَديم لا أَوَّل لَه، وباقٍ لا آخِر لَه، وقَد يُدرِكُ صِفَةَ النقص، كَمعرفَتِه بأنَّ الجَهْلَ والحمقَ والعجز والعمى والصمَم والإكراهَ إِلَى غَير ذَلِكَ، لَكِن هَذَا الإدراكُ غَير مَعني الإلزامِ، وذَلِكَ أَنَّ الحكمَ بالشَّيْءِ غَير إدراكِه، فذَلِكَ الإدراكُ غَير التَّكلِيفِ الذِي جاء به الشَّرْع من الله تَعَالىَ.
سَلَّمنا أَنَّ الْعَقْلَ يُدرِك مَعْرِفَة كمالاَت الله تَعَالىَ وَاستحَالة النقصِ عَلَيهِ؛ فتِلْكَ الْمَعرِفَة غَير الحكم الذِي كلَّفنا الله به، لَكِن جَعَلَ الشَّرْع تِلْكَ الْمَعرِفَة حُجَّة كما جَعَلَ السمع حجَّة، فمَعْرِفَة الشَّيْءِ غَير الحكم به.
وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ لو لَمْ تَكُن الْمَعرِفَة بالشَّيْءِ غَير الحكمِ به لزم التَّكلِيف بِجَمِيعِ ما عَلِمنا، إذ لاَ فَرق بَيْنَ الْمَعرِفَة والإلزامِ، وهَذَا باطل إِجْمَاعًا،