الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤الْمَسأَلة الثانية: [فِي قول المعتزلة إِنَّ الْحسن والقبح عقليَّان]
اعْلَمْ أَنَّ مَذهب الْمُعتَزِلَة فِي الْقَوْل بتحكيمِ الْعَقْل مَبنِىّ عَلَى أَنَّ الحسنَ والقبحَ عَقليَّان، ولاَ بَأس أَن نبَيِّنَ وَجه ذَلِكَ ونُبطل ما زَعموه من ذَلِكَ.
فَاعْلَمْ أَوَّلاً أَنَّ العُلَمَاءَ قَد ذَكروا أَنَّ الحسنَ والقبحَ يُطلقان عَلَى ثَلاَثة مَعَان:
الأَوَّل: كَون الشَّيْءِ ملائمًا للطبعِ ومُنافرا لَه كَالحلاوَةِ والمرارَة، فَالحلو حسن لِمُوافقته الطبع، والمرُّ قَبيح لِمنافرتِه للطبع. /87/
وَالثَّانِي: كَونُه صِفَة كمَال، وكونه صِفَةِ نقصان، فالْعِلْم حسن لكونِه كمالاً، وَالْجَهْلُ قَبيح لكونِه نُقصانًا.
وَالثَّالِث: كونُ الشَّيْءِ مُتعلِّق المدح عاجلاً والثواب آجلاً، وكونُه متعلِّق الذمِّ عاجلا والعقاب آجلا، فالطاعة حسَنَة لتعلُّق المدحِ بِهَا آجلاً والثواب عاجلا، والمعصيَة قبيحة لتعلُّق الذمِّ بِهَا عاجلاً والعقاب بِهَا آجلا.
فالحسنُ والقبحُ بالمعنيين الأَوَّلين يَثبتَان بالْعَقْل اتِّفَاقا، وَأَمَّا الحسن والقبح بالْمَعْنَى الثالثِ فَهو مَحَلُّ النزاعِ بَيْنَنا وبَيْنَ الْمُعتَزِلَة.
فمَذهَبنَا ومذهبُ الأَشْعَرِية: أَنَّ الحسنَ والقبح بالْمَعْنَى الثالثِ لا يَكُونان إِلاَّ شَرعيين، فلاَ حسن إِلاَّ مَا قالَ لَنا الشَّرْع (افعَلوه)، ولاَ قَبيح إِلاَّ ما قال لنَا الشَّرْع (اتركوه).
وَقَالَت الْمُعتَزِلَة: إِنَّ الأَفعَالَ الاختياريَّة حسَنَة وقبيحة من جِهَةِ الْعَقْل،