الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٥وأنَّ منها ما يُدرِكه الْعَقْل بالضرورَة كَحسن الصدقِ النافعِ والإيمانِ، وقبح الكذبِ الضارِّ والكفرانِ، ومنهَا ما يُدرِكه الْعَقْل بالنظرِ كَحُسن الصدق الضارِّ، وقُبحِ الكذبِ النافعِ، ومنهَا ما لاَ يَهجم عَلَى إدراكِه إِلاَّ بإخبارٍ من الشَّرْع كَحُسن صَوم آخِر يومٍ من رَمضان، وقُبح صومِ أَوَّل يوم من شَوَّال، وحكموا أَنَّ الشَّرْع فِي هَذَا النَّوعِ مُخبر عن حال الْمَحَلّ لا أَنَّهُ مُنشئ فِيه حكماً.
ثُمَّ اختَلَفُوا: فذهبَ القدمَاء مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الأَفعَال حسَنَة وقبيحة لذاتِها.
وَقَالَ قوم مِنْهُمْ: هي كذَلِكَ لصِفَةِ لازمةٍ كالصومِ المشتملِ عَلَى كسر الشهوةِ المفضِي إِلَى عدم المفسدَةِ، وكالزنا المشتملِ عَلَى اختلاط الأنسابِ المفضِي إِلَى تَرك تَعاهد الأولاد.
وفرَّق قوم بَيْنَ القبيح والحسن فقَالُوا: القبيحُ قبيح لصفتِه، وَالحسَن حسن لذاته.
وحجَّتُهم: أَنَّ الذوات كُلّهَا مُستويَة، والتمييز إِنَّمَا هو بالصِفَات، فلو قُبِّح الْفِعْل لِذاته لزم قبح فِعله تَعَالىَ.
وَقَالَ الْجُبَّائِي: واتِّباعه الْعَقْل يَحسُن ويَقبُح لِوجه واعتبارٍ، كَضربِ اليتيم يَحسن إن كانَ لِلتأديبِ ويَقبحُ إن كان لِغيره.
والْحُجَّةِ لنا عَلَى الْجَمِيع: هي أَنَّهُ لو كان الْفِعْل حسنا أَو قبيحًا لذاته أَو لصِفَة لازمة لَما اختلفَ بأن يَكُون تارَة حسنًا وتارَة قَبيحا، ولاجتمع النقيضان فِي قولِ القائل: "لأكذبنَّ غَدا" صدَق أَو كذب.
وبَيَانه: أنَّ قَولَهُ ذَلِكَ إن طابَق الواقع كانَ حَسنا لِصدقِة، وقَبيحا