الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨ما لا يتمّ الواجب إِلاَّ به؛ لأَنَّهُ لَو لَمْ يَجب لكان الآمر كَأَنَّهُ قَالَ: افعل كَذَا وأنتَ مُخيَّر فِي فعل ما لاَ يتمّ إِلاَّ به، وَهَذَا يستلزم تَكلِيف ما لا يُطَاق أَو بَعض الحتم وهو لا يصدر من حكيم، فاستلزم الأمر بالشيء الأمر بِما لا يَتمّ إِلاَّ به.
قلت: وَهَذَا الْقَول هو الصَّحِيح لِمَا ذكر من الإلزام.
واعلَم أَنَّ الخلاف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُو وارد عَلَى شرطٍ لَمْ يَقم دليل عَلَى وَجوبه بنفسه إِلاَّ من حَيثُ وُجُوب المشروطِ، فأمَّا الإِسلاَم والْخِتَان فقَد قامَت الأَدِلَّة عَلَى وُجُوبِهما من غَير هَذِهِ القاعدة، فلاَ يسوغ الخِلاَف فِيهما كما ساغ فِي هَذِهِ القاعدة، وَإِنَّمَا ذكرناها فِي هَذَا الموضعِ لأجل المناسبة فَقَط.
احتَجَّ أَهْل الْقَول الأَوَّل بأنَّ الوُجُوبَ إِنَّمَا يَثبت بالأمر، والأمر لَمْ يتناول إِلاَّ الْمَأمُور به دون ما لا يتمّ إِلاَّ به، فلا وجه لوصفه بالوُجُوب.
وَرُدَّ: بِأَنَّهُ لو لَمْ ينتظمه الأمر لَزم تَكلِيف ما لا يُطَاق، وهو غَير جائز كما مرّ.
وَاحتَجَّ أَهْل الْقَول الثاني: بِأَنَّهُ لو لَمْ يَجب كَانَ التَكلِيف بالْمَأمُورِ به تَكلِيفًا بِما لا يُطَاق وهو غَير جائز، وبِأَنَّهُ لو لَمْ يَجب لَما وَجَبَ التوصُّل إِلَى الواجب، والتوصُّل واجب بالإجماع.
قَالَ صَاحِب المنهاج: وَهَذَا الاحتِجَاج صَحيح.
قُلْتُ: هُو صحيح لَكِنَّه لا يتناول جَمِيع الشروط، بل لاَ بُدَّ من مراعاة تِلكَ الشروط التي ذكرهَا صَاحِب المنهاج فِيما تقدَّم آنفا.