الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٤البلوى، فلو صحَّ عنهم لنقل واشتهر، مع أن العرب في أول الأمر كانوا أهل جاهلية فكان الْمناسب لقول أولئك أن ينصب لَهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يعلمهم تلك الألفاظ التي هي شرط في صِحَّة نياتِهم؛ لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قد نبَّه عَلَى توقُّف صِحَّة الأعمال بالنيَّات بقوله: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فلو كانت صِحَّة النيَّة متوقفة على وجود الألفاظ المذكورة لاحتاج إلى ما ذكرنا من نصب الْمعلِّمين.
وأعجب من هذا ما يُوجد من قَولهم في من نسي النيَّة وذكرها في الصَّلاَة أن يُجدِّدها بلسانه.
وأعجب منه ما قيل: إن الْمُصلِّي إذا نسي اعتقاد النيَّة فذكرها وقد صلَّى فَإِنَّه لا بأس عليه وصلاته تامة، وإن ذكرها وهو في الصَّلاَة فلم يُجدِّدها فلا صلاة له وعليه النقض؛ لأَنَّ الأعمال بالنيات.
ولعمري إِنَّ هذا وما قبله [بَعيد] عَن الصواب بِمراحل؛ كيفَ عَليه أن يُجدِّد النيَّة بلسانه وهُو وسط صَلاته، وقَد حَرُم عليه التلفُّظ باللسان إِلاَّ في ما يكون من أمر الصَّلاَة المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس لفظ النيَّة باللسان من ذلك الْمنقول؛ /21/ فهو أمر زائد في الصَّلاَة يوجب نقضها؛ فكيف يلزمه أن يقوله، ثُمَّ كيف يلزمه النقض بترك قوله إن ذكره وهو في الصَّلاَة، ويعذر إن لَمْ يذكره حَتَّى تَمَّت صلاته. ثُمَّ كيف يُحتجُّ له بِحديث: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مع أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يقل: "إِنَّمَا الأعمال بألفاظ النيات"، ومن الْمَعلُوم أن النيَّة غير اللفظ.
ثُمَّ إن من قصد الصَّلاَة لا شكَّ أَنَّه نَاوٍ لِفعلها، إذ لو لَمْ ينو ما قصدها، وذلك القصد مُجز له عن التلفُّظ باللسان.