الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٥ثُمَّ لا يَخفى أَنَّ النيَّة فِي الْعِبَادَات باللسان مَع غَفلة الْجَنان غَير مُعتبرة، لِمَا وَرَدَ مِن: «أَنَّ اللهَ لاَ يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَلاَ إِلَى أَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلوبِكُم وَأَعمَالِكُم»، وَفي رواية: «ولَكِن ينظرُ إِلَى قلوبكُم ونِياتِكم»، فلَو نَوى الظهرَ بِقَلبه فِي وَقتِه وتلَفَّظ بنيَّة العصرِ لا يَضرُّه بِخِلاَف العكسِ، وَالله أعلَم.
الْمَسأَلة الثَّانيَّة: [التلَفّظ بِما يَدُلُّ عَلَى النيَّة]
استحبَّ أَصحَابُنَا والشافعيَّة والحنَفِيَّة وبعضُ أصحابِ مالك التلَفُّظ بِما يَدُلُّ عَلَى النيَّة، بَعد اتِّفَاقهم أَنَّ الجهرَ بالنيَّة غَير مَشروع، سواء كَانَ إماما أَو مَأموما أَو مُنفردا، وَإِنَّمَا استحبُّوا ذَلِكَ لِيسهل تعقُّل مَعْنَى النيَّة واستحضارهَا.
وأنكرَت هَذَا الاستحبابَ الحنابلَة، وقَالُوا بعدَم جوازه، وزَعموا أَنَّه بِدعة، والبدعَة كمَا تكون فِي الْفِعْل تكونُ فِي الترك أَيْضًا، فمن واظبَ عَلَى فعلٍ لَمْ يَفعله الشارع فَهُوَ مُبتدع.
وَأُجِيب: بأنَّا نُسلِّم أَنَّهَا بِدعة، لَكِن مُستحسنَة، استحبَّها المشايخ للاستعانَة عَلَى استحضارِ النيَّة لِمن احتاجَ إِلَيها، وَفي الْحَدِيث: «مَا رَآه الْمُسلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِندَ اللهِ حَسَن»، وهُو - عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم - وأصحابه لَمَّا كَانُوا فِي مَقام الجمعِ وَالحضور لَمْ يَكُونوا مُحتاجين إِلَى الاستحضَار المذكور.
وَقيل: التلَفُّظ شَرط لصحَّة الصَّلاَة. قال القارِي: ونسَبوه إِلَى الغلطِ والخطأ ومُخالفَة الإجماع، لَكِن له مَحلٌّ