الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٦عِندَنَا مُختصٌّ بِمن ابتُلِي بالوسوسة فِي تَحصِيل النيَّة وعَجزَ عَن أدائها، فَإنَّهُ قِيل فِي حقِّه: إِذَا تلَفَّظ بالنيَّة سَقط عنه الشرط دَفعا للحرجِ.
قال القسطلاني: وبالْجُمْلَة فلَم يَنقُل أحدٌ أَنَّهُ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم تلَفَّظ بالنيَّة، ولاَ أعلَم أحدًا من أصحابِه تلَفَّظ بِها ولا أقرَّه عَلَى ذَلِكَ، بَل المنقولُ عَنه فِي السنن أَنَّهُ قالَ: «مِفتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ وَتَحرِيمهَا التَّكبِيرُ، /116/ وتَحليلُهَا التَّسلِيمُ».
نعم، اختَلَفَ العلماءُ فِي التلَفُّظ بِها:
فَقَالَ قَائلون: هُو بِدعة؛ لأَنَّهُ لَمْ يُنقل فِعله.
وقالَ آخرون: هُو مُستَحَبٌّ؛ لأَنَّهُ عَون عَلَى استحضار النيَّة القلبيَّة، وعِبَادَةٌ للسان كمَا أَنَّهَا عبوديَّة للقلب، والأَفعَالُ المنويَّة عِبَادَة الجوارح -إِلَى أن قَال- والذي استقرَّ عَلَيه أَصحَابُنَا استحبابُ النطقِ بِها.
وقاسَه بَعضهم عَلَى ما فِي الصَّحِيحين من حَدِيث أَنس، أَنَّهُ سمع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّي بالحجِّ والعمرة جَمِيعًا، يَقُول: «لَبَّيكَ عُمرَة وحَجَّة»، وَهَذَا تَصريح باللفظِ، والْحكم كما يَثبُت بالنصِّ يَثبت بالقياس.
لَكِنَّه تُعقِّب هَذَا بِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم قالَ ذَلِكَ فِي ابتداءِ إِحرامِه تَعليمًا للصحابة مَا يُهلُّون به، ويَقصدونه من النسك، ولَقد صلَّى عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم ثَلاثين ألفَ صَلاة فَلَم يُنقَل عَنه أَنَّهُ قال: "نَوَيتُ أُصلِّي صلاةَ كَذَا كَذَا"، وتَركه سنَّة كمَا أَنَّ فِعله سنَّة، فلَيسَ لنَا أن نُسوِّيَ بَين ما فَعلَه وتَركه، فنَأتِي مِن الْقَول فِي الْمَوضِع الذِي تَركَه بنَظِيرِ مَا أتى به فِي الْمَوضِع الذِي فعله، والفرقُ بين الحجِّ والصلاة أظهَر مِن أن يُقاسَ أَحَدُهُمَا بالآخر.