الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٩٦فصَلاَة الْمرء في منزله خير له من صلاته مع الْجَمَاعَة؛ لِحديث أبي ذر قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف أَنْتَ إذا كَانَتْ عَلَيكَ أُمَرَاء يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ ويُؤخِّرونَهَا عَن وَقتِهَا؟». قُلتُ: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقتِهَا، فَإِن أَدرَكتَهَا مَعَهُم فصلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَة»، والله أعلم.
تنبيه: في العزلة عن الْجَمَاعَة إِذَا فسد الزمان
اعلم أن الناس قد اختَلَفُوا في العزلة والْمُخالطة: أيّهما أفضَل عِنْدَ فساد الزمان؟ مع اتِّفاقهم عَلَى تفضيل الْخلطة والْمعاونة عَلَى البِرِّ إِذَا كَانَ الزمان صالِحا، والْمُسلِمُون هم الغالبون للناس، والحاكمون عَلَيْهِم يأمرون بالْمَعرُوف علانية وينهون عن الْمَنكر علانية لا يَخافون في الله لومة لائم لِما في ذَلِكَ من الفَضْلُ، ولِما جاء فيه من الأمر والندب؛ /311/ إذ كَانَ الْحبُّ في الله - عز وجل - مِن أوثق عرى الإسلام، وكَانَت الألفة والصحبة والتزاور من أحسن أسباب الْمتَّقين، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذَلِكَ، والْحثِّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا زمانٌ افترق فيه الناس في أديانِهم، وظهر الْمُنكر، وولِيَ عَلَى الناس الأشرار، ودخل في الأمور من لا يصلح نفسه، وولي عَلَى الناس من يأخذ الْهدايا والسحت، ويقدَّم الأشرار ويؤخَّر الأخيار فَاختار بعضهم العزلة عن الناس، والفرار بالدين، واختار بعضهم الْمخالطة تَمسُّكا بِما ثبت في ذَلِكَ من الأخبار، وبما فيها من الفوائد.
قال الغزالي: وظهر هذا الاختلاف بين التابعين؛