الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧وذَهَبَ مَالك وزُفَر مِن قَومنا إِلَى أَنَّهُ لا يَجِبُ غَسل الْمِرفَقين والخِلاَف مَوجود أَيْضًا عِندَ أَصحَابنَا.
قَالَ الْفَخر: وَهَذَا الخِلاَفُ حَاصل أَيْضًا فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾.
قُلْتُ: وصَرَّح بِالخِلاَف الْمَذكور فِي غَسل الكعبين صَاحِبُ الإيضاح -رحمه الله–: وحُجَّتنا ما رُوِيَ عن /153/ أبي هُرَيرَة فِي صِفة وُضُوء النَّبِيِّ - عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم - «أَنَّهُ تَوَضَّأ فغسلَ يَدَه اليمنى حَتَّى شَرع فِي العضد، ثُمَّ اليُسرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ غسل الرِّجلَين حَتَّى شَرع فِي الساقِ ثُمَّ اليُسرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «هكَذَا رأيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ».
وَفي الضيَاء: وَقيل: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بَلَغَ الْمِرْفَقَيْنِ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَيهِمَا»، وَالله أعلَم.
احتَجَّ القائلونَ بِعدم وُجُوبِ غَسل الْمِرفَقين؛ بظاهِر قَوله تَعَالىَ: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؛ لأَنَّ كَلِمَة (إِلَى) حَقِيقَة فِي انتهاء الغاية، وما يُجعَل غَاية للحكم يَكُون خَارجا عَنه، كما فِي قَوله تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ فوجبَ أَن لا يَجِب غَسل الْمِرفَقين.
وَأُجِيبَ عَلَى تَسليم أَنَّهَا لِمنتَهى الغاية، بأنَّ الْمَحدُودات عَلَى وَجهَين:
أَحَدُهُمَا: مِن جنس الْمَحدُود فحدُّه دَاخل فِيه كَالذي قدَّمنا من الْمِرفَق وَالذراع؛ لأَنَّ الْمِرفَق مِن جنس الذراع، ومِن ذَلِكَ قَولُهُم: "قَرأت الكتابَ إِلَى آخره"، و"صمتُ الشهر إِلَى آخره"، و"ذَهَبت فِي الطريق إِلَى أَقصاها".