الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠الله عليه وسلم -: «كَيفَ تَقرَأُ إِذَا أَقَمتَ الصَّلاَة»؟ فقلت: "الحمد لله رَبِّ العالمين"، فَقَالَ: «قُل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾»، وروي أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قرأها حَتَّى مات، وقرأها أبو بكر حَتَّى مات، وقرأها عمر حَتَّى مات، وسئِل عنها ابن عباس فَقَالَ: أوَ قَد تُرِكت؟ إِنَّ أَوَّل شَيْءٍ اختلَس الشيطان مِن بني إسرائيل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ وقد اختلَسها منهم إبلِيس، وإنَّ الله أمرَهم بِها إذ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ﴾، وقالَ: ﴿إِنَّه مِن سُلَيمَانَ وإنَّهُ … ﴾.
وهذه الأدلَّة حجَّة عَلَى أبي حنيفة فِي قوله: "إِنَّ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ليست من القُرْآن إِلاَّ فِي سورة النمل"؛ لأَنَّ هَذِهِ الأدلَّة دالَّة عَلَى أَنَّها آية من فاتِحة الكتاب، وأبو حنيفة يزعم أَنَّهَا لَيست من القُرْآن رَأسا إِلاَّ فِي سورة النمل. وقد خالَفه بَعضُ أصحابه فِي ذَلِكَ، فأثبتها آية فِي كُلِّ موضع ذكرت فِيه، قال: ولكن لَيست من السورة.
والحجَّة عَلَى أَنَّهَا آية فِي كُلِّ موضع ذكرت فِيه من القُرْآن إجماعُ الصحابة عَلَى إثباتها فِي المصحف بِخطِّه أوائِل السور سِوى "براءَة" مَع المبالغة فِي تَجريد القُرْآن عَن الأعشارِ وتَراجم السور والتعوذ؛ فلَو لَم تكن قرآنا لَمَا أجازوا ذَلِكَ لئلاَّ يُحمل عَلَى اعتقاد ما لَيس بقرآن قرآنا.
وَأَيضًا: هي آية من القُرْآن فِي سورة النمل قَطعا، ثُمَّ إنَّا نراها مكرَّرة بِخطِّ القُرْآن فَوجَب أن تَكون مِنه، كمَا أنَّا لَمَّا رأينا قوله تَعَالىَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مكرَّرا فِي القُرْآن بِخطٍّ واحد، وبصورَة واحدة.
قُلنَا: إِنَّ الكلَّ من القُرْآن. فإن قيل: لَعَلَّها ثبتت للفصل. أجيب: بِأَنَّه يلزم عَلَيهِ اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنًا، وَإِلاَّ ثبتت فِي أَوَّل "براءة" ولم تثبت فِي أَوَّل "الفاتحة".
فإن قيل: القُرْآن إِنَّمَا يثبت بالتواتر. أجيب: بأنَّ إثباتَها فِي المصحفِ