الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٧٠وذَلك لأَنَّ النفس تألف به، وتداوم عَلَيْه بسبب الإقبال.
وَالْحَاصِل: أن العمل القليل مع المداومة خير من العمل الكثير مع ترك المراعاة والمحافظة.
وقد بالغت الصوفية في هذا حَتَّى أَنَّهم أنكروا ترك الأوراد كما ينكرون ترك الفرائض. واعتلوا بأَنَّه إِذَا ترك الطاعة بغير ضرورة فكَأَنَّه أعرض عن عبادة المولى فيستحق المقت بِخلاَف الْمداوم عَلَى الباب حيث يستحقُّ أن يجعل من الأحباب.
ويردّ عَلَيْهم: ما ثبت «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يفطرُ مِنَ الشهرِ حَتَّى نَظنّ أَلاَّ يصومَ مِنه شَيئًا، وَيَصُوم حَتَّى نَظنّ ألاَّ يفطِرَ مِنه شَيئًا، وكانَ لا تَشاءُ أَن تَراه مِنَ الليلِ /335/ مُصلِيًّا إِلاَّ رَأيتَه، ولا نائمًا إِلاَّ رَأيتَه».
نعم، ينبغي لسالك طريق الآخرة أن يجتهد في العبادة من الصَّلاَة وغيرها بقدر الطاقة، ويختار سبيل الاقتصاد في الطاعة، ويحترز عن السلوك عَلَى وجه السآمة والملالة، فإن الله لا ينبغي أن يناجى عن ملالة وكسالة.
وإذا فتر وضعف قعد عن القيام واشتغل بنوع من الْمباحات من الْكَلاَم والمنام عَلَى قصد حصول النشاط في العبادة؛ فَإِنَّه يعدّ طاعة وإن كان من أمور العادة؛ ولذا قيل: "نوم العالِم عبادة".