الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ١١فقد أبكمه، وأَمَّا الأطراف فقد ضعَّفها، ويودُّ لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنَّه لا يقدر على ذَلِكَ، فإن بقيت فيه قُوَّة سُمِعت له عِندَ نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغيَّر لونه واربدَّ حَتَّى كأنَّه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته وقد جذب منه كُلّ عرق على حياله.
فالألَم منتشر في داخله وخارجه حَتَّى ترتفع الْحدقتان إلى أعالي أجفانه، وتتقلَّص الشفتان، ويتقلَّص اللِّسان إلى أصله، وترتفع الأنثيان إلى أعالي موضعهما، وتَخضرّ أنامله، فلا تسل عن بدن يجذب فيه كُلّ عرق من عروقه ولو كان الْمجذوب عرقا /12/ واحدا لكان ألمه عظيما، فكيف والمجذوب نفس روح الْمتألِّم لا من عرق واحد بل من جَميع العروق، ثُمَّ يَموت كُلّ عضو من أعضائه تدريجيا، فتبدأ أَوَّلا قدماه ثُمَّ ساقاه ثُمَّ فخذاه، ولكلّ عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة حَتَّى يبلغ بِهَا إلى الحلقوم، فعند ذَلِكَ ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها"، هذا كلامه ببعض اختصار.
وَفيه أن يقال: أَمَّا خبر الأنبياء فمقطوع بصدقه غير أنَّهم لَمْ يخبروا عن شدَّته في كُلّ فرد من الأفراد، وَإِنَّمَا أخبروا عن شدَّته في الْجُملَة، فلقائل أن يقول: إن ذَلِكَ مَحمول على أغلب الأحوال في الناس. وَأَمَّا القياس فغير مسلَّم؛ لأَنَّ التألُّم إِنَّمَا هو للجسد الممتزج بالروح لا للروح نفسها، ولا للجسد نفسه. ثُمَّ إنَّا قد نرى جارحة من الإنسان تموت وهو حي كامل القوة وإنَّه لا يجد لموتها ألما، وكذَلِكَ قد يموت شطره ولا يحسُّ لانجذاب الروح /13/ عنه ألَما، فكان الواجب قياس الْمَوت على هذا الحال، لا على تألُّم الجسد بالحرق والجرح وما أشبه ذَلِكَ.
وعلى كُلّ حال فنحن نقطع أن للموت سكرات، وقد قال تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.