الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٥٠إِنَّمَا اشتغل الشهداء بعد أن انحاز الْمشركون إِلَى جهتهم، وارتفع القتال وقد فرغوا لدفنهم، فما ظنُّك بالصلاة عليهم.
والْجَوَاب: ما تقدَّم أن خبر الإثبات متأخِّر عن خبر النفي، والعمل إِنَّمَا يكون بالْمتأخِّر دون الْمتقدِّم، هذا مُجاراة معهم عَلَى تضعيف رواية الصلاة عَلَى الشهداء مع حمزة يوم أحد، فإِنَّهم قالوا بتضعيفها، ولو سلَّموا صحَّتها ما انتقلنا إِلَى الاستدلال بغيرها.
احْتَجَّ ابن حزم بِحديثي جابر وعقبة، وقال: ليس يَجوز أن يترك أحد الأثرين الْمَذكُورين للآخر بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأَنَّ استعمالهما معا مُمكن في أحوال مُختلفة.
والْجَوَاب: لا نسلِّم أَنَّه ليس موضع نسخ؛ بل هو ناسخ وإن أمكن الْجمع؛ لأَنَّ إمكان الْجَمع إِنَّمَا يصار إليه لرفع التنافي، /72/ وإذا علم أن أحد الدليلين متقدِّم والآخر مُتأخّر، ارتفع التنافي واتَّضح النسخ، وَالله أعلَم.
ثُمَّ اختلف القائلون أَنَّه لا يغسل في أمور:
أَحَدُهَا: في الشهيد إذا كان جنبا: فقيل: لا غسل عليه؛ لأَنَّ ما سنَّه النَّبِيّ- عَلَيهِ الصلاة والسلام- عام لِجَمِيع الشهداء، وهو قول: أبي ثور ويعقوب ومُحمَّد وابن الْمُنذر.
وقال بعض أصحابنا وأبو حنيفة: يغسل لِما فيه من معنى الْجنابة، وبه جزم الشيخ عامر في إيضاحه، وسوَّغ أبو سعيد القولين.
احْتَجَّ الشيخ عامر لذَلِكَ بقصَّة غسيل الْمَلاَئكة، وذَلِكَ: أنَّ حنظلة بن الراهب قتل يَوم أحد وهو جنب، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيتُ الْمَلاَئكةَ تَغسِلُه».