الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٥٥وقال مُحمَّد بن مَحبوب: الشهداء كثير، منهم: الْمَبطُون، والغريق، والنفساء، والْمتردِّي، والذي يقع عَلَيهِ الْجدار. وأَمَّا الشهداء الْمرزوقون فمن قتل بالسيف، فَاسم الشهادة ثابت لشَهِيد الْمَعْرَكَة وغيره، والرزق الْمَذكُور في قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، خاصّ للمقتول بالسيف في سبيل الله، وكذَلِكَ ترك الغسل خاصّ لشَهِيد الْمَعْرَكَة، فاستدلال أبي جابر مستقيم كما ينبغي، لكن لا يدفع قول أصحابنا النفوسيين إن مات /81/ من يومه غسل؛ لأَنَّ عمر قد مات بعد ثلاث.
والاِحتِجَاج الْمحكم: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اغسِلُوا مَوتَاكُم»، فإن الْخطابَ عامّ لِكُلِّ ميّت، وخصّ من جُملتهم شَهِيد الْمَعْرَكَة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن غسله، فيبقى الْخطاب متناولا لِما عدا الْمخصص، إذ لا يَصِحّ إسقاط الْحكم عن بعض أفراد العام إِلاَّ بدليل.
فإن قيل: الدليل قياس الشَّهِيد عَلَى الشهيد بِجامع الشهادة، والقياس يُخصّص العام.
قُلنَا: إِنَّمَا يُخصّصه عِندَ الاشتراك في العلَّة، وليس العلَّة في هذا الْمَوضِع نفس الشهادة حَتَّى يقال: إنَّها موجودة في الأصل والفرع، بل العلَّة ما أشار إليها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «فَإِنَّهم يُحشَرُونَ وَأَودَاجُهُم تَشخَبُ دَمًا»، وهذا إخبار عن شهداء مَخصُوصين، فَمن لنا أنَّ غيرهم في هذا الوصف مثلهم، والأمور مغيَّبة فليس لنا أن نحكم عَلَى أحد فِي الأشياء الْمغيَّبة بِحكم ثبت لغيره من جهة الصادق الأمين؛ /82/ لأَنَّ الله تَعَالَى قد أطلعه عَلَى بعض الْمغيبات فأخبر عما علم، وَلَمْ يُطلعنا عَلَى شيء من ذَلِكَ فليس لنا أن نُخبر بِما لَمْ نعلم.
وإن قيل: ليس هذا بِخبر عن الغيب وَإِنَّمَا هو إثبات حكم في شيء بالقياس عَلَى نظيره.
قلنا: لَمْ يثبت الْحكم إِلاَّ بعد ثبوت الوصف، وثبوت الوصف غيب، فإذا أثبتناه لأحد من غير توقيف، كان إخبارا بالغيب عن غير علم، والله أعلم.