الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٥٤وقال: وأظنُّ أَنَّهم ألحقوا النفساء بالْمجروح؛ لأَنَّها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: وسبب الْخِلاَف هل العلَّة في ترك غسله الشهادة مطلقا أم الشهادة عَلَى يد الْمشركين؟ فمن اعتبر الشهادة مطلقا قال: لا يغسل كُلّ ما نصَّ عَلَيهِ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه شهيد مِمَّن قتل، ومن رأى أن سبب ذَلِكَ هي الشهادة من الكفَّار قصر ذَلِكَ عليهم.
قُلتُ: بل سبب ذَلِكَ الشهادة الْمرتَّبة عَلَى طلب إظهار الدين وإعلاء كلمته، كَانَت من يد مشرك أو باغ عَلَى حدٍّ سواء، وقد وقعت جُملة شهداء في حرب الْجمل وَصِفِّين فلم ينقل أَنَّهم غَسلوا أحدا منهم، وكذَلِكَ أهل النهروان -رحمهم الله تَعَالَى- لَمْ يغسّلوا، وهذا عمل الْمُسلِمِين في شهدائهم مُستمرّ إِلَى اليوم.
احْتَجَّ أبو جابر لثبوت الغسل لِمن مات في غير الْمَعْرَكَة: بفعل الصحابة في عمر بن الْخطَّاب، فإِنَّه غسل وكفن وكان شهيدا.
واعترضه أبو مُحمَّد بقوله: كيف يكون شهيدا وقد غسل، وموته بعد أن طعن بثلاثة أَيَّام. وهو اعتراض مبنِيّ عَلَى الْجهل بالشهيد، فإن الشهيد لا يَختصّ بِمن قتل في الْمَعْرَكَة كما توهَّمه أبو مُحمَّد بل يطلق عَلَيهِ وعلى غيره. قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «القَتِيلُ شَهيدٌ، وَصَاحِبُ /80/ الْهَدمِ شَهِيدٌ، وَالْمَبطُونُ شَهِيدٌ، وَالغَريقُ شَهِيد، وَمَن أَكلَهُ السَّبُعُ شَهِيدٌ، وَالسَّليمُ شَهِيد (يعنى: اللديغ)، ومَن ذَكرَ اللهَ إذَا أخَذَ مَضجَعَهُ ثُمَّ مَاتَ فَهُو شَهِيدٌ، وَالنفسَاءُ وَمَن مَاتَ عَلَى فِراشِهِ يُريدُ أَن تَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُليَا وَكَلِمَةُ الذينَ كَفَرُوا هِيَ السُّفلَى شَهِيدٌ»، وفي حديث آخر: «الْمَقتُولُ دُونَ مَالِهِ شَهِيدٌ».