الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٧٨والوجه الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - لأمّ عطيَّة: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، فإِنَّه فَوَّضَ الأمْرَ إِلَيْهنَّ ولا يكون التفويض إِلاَّ فيما يباح تركه.
وَرُدَّ: بأنَّ قوله: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» عائد إِلَى نفس الغسل لا إِلَى الثلاث فقط؛ لأَنَّ قوله ثلاثا غير مستقِلّ، فيلزم إِمَّا القول بوجوب الثلاث، وَإِمَّا القول باستحباب الغسل من أصله.
ويُجَاب: أن نقول بأنَّ ذَلِكَ عائد إِلَى الغسل الْموصوف بالثلاث لا إِلَى مطلق الغسل فإِنَّه واجب من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اغسِلُوا مَوتَاكُم»، فدلَّ حديث أمّ عطيَّة عَلَى استحباب الثلاث، والْحَدِيث الآخر عَلَى وجوب نفس الغسل.
فإن قيل: إن قوله: «اغسِلُوا مَوتَاكُم»، مطلق، وقوله: «اغسلنها ثلاثا» مُقَيَّد فيجب حمل مطلق الأمر عَلَى مُقَيَّدِه، لاتِّفَاقهما في الْحكم والسبب.
قلنا: لا نسلم اتِّفَاقهما في الْحكم، فإن قوله: «إن رأيتُنَّ ذَلِكَ» يَدُلُّ عَلَى الاستحباب، والأمر بالغسل في الْجُملَة يَدُلُّ عَلَى الوجوب، ولا يُحمل الواجب عَلَى المندوب. /123/ وَالله أعلَم.
التنبيه الثاني: في الْجنب والْحَائِض والنفساء
إذا مات أحدهم، قيل: يغسل غُسلَيْن: أَحَدُهُما للجنابة أو الْحَيض أو النفاس. والآخر غسل الْمَيِّت، وهو قول بعض أصحابنا ونقله ابن الْمُنذر عن الْحسن.
وَقِيلَ: يغسل غسلا واحدا، ونسبه أبو مالك وأبو سعيد إِلَى الأكثر، ونقل أبو سعيد فيه التصحيح، وهو معنى قول عطاء: يصنع بهما ما يصنع بغيرهما، وقول سعيد بن الْمسيّب: ما مات الْمَيِّت إِلاَّ أجنب. قال ابن الْمُنذر: وهذا قول من أحفظ عنهم من علماء الأمصار وبه أقول.
وَحُجَّة القول الأَوَّل: أَنَّه ثبت بِكُلِّ واحد من السببين الْجَنابَة والْمَوت غسل عَلَى حياله من الأدلَّة المجمع عليها، وأنَّه لا يسقط أَحَدُهُما بفعل الآخر كما لا يسقط حقّ زيد بأداء حقّ عمرو، وكما لا يسقط العصر بأداء فرض الظهر.
والْجَوَاب: لا نسلِّم تعدّد الفروض في /124/ هذا الْمَعنَى لتعدّد الأسباب؛ لأَنَّ كُلّ واحد من الأسباب يوجب الغسل فهو فرض واحد تعدَّدت موجباته وليس كالْحُقُوق والصلَوات؛