الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٧٧رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «غَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمسُّوهُ بِطِيبٍ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَه فَإِنَّه يُبْعَث يَوْمَ الْقِيَامَة مُلَبِّيًا»، وَاللهُ أَعلَم.
تَنبِيهَات:
الأَوَّل: في الواجب من الغسلات
و قد اتَّفقوا عَلَى وجوب الواحدة، واختلفوا في الثلاث: والْمذهب عِندَنَا معشر الْمَشَارِقة أَنَّها سُنَّة مستحبَّة فقط، وصَحَّحه الشيخ عامر في إيضاحه.
وَقِيلَ: بوجوب الثلاث كلِّها أخذا بظاهر الأحاديث، فإنَّ حقيقة الأمر للوجوب، والْجَوَاب من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أنَّ الأحاديث مُجْمَلة وقياس الْمَيِّت عَلَى الْحيّ يُبَيِّنُها، فإنَّ الواجب في غسل الْجَنابَة والْحَيض وسائر الاغتسالات الواجبة غسل واحد، وكذَلِكَ الْمَيِّت.
ويعترض بأَنَّه يُمكن التفرقة بينهما بأن يقال: إن الْمَوت أشدّ حدثا من حدث الأحياء، ولذَلِكَ شرعت له /121/ الثلاث الاغتسالات باتِّفَاق منَّا ومنكم، وَإِنَّمَا اختلفنا في وصفها بالوجوب.
والْجَوَاب إِنَّمَا تَصِحّ التفرقة إن لو سلَّمْنَا أَنَّ الغسل إِنَّمَا وجب لأجل النجاسة، فأَمَّا إذا قلنا: إِنَّه عبادة لا يعقل معناها فلا تفرقة؛ لأَنَّ الكلّ عبادة قصد منها التنظيف.
فإن قيل: إنَّ مذهب أصحابكم أن الْمَيِّت نَجِس حَتَّى يطهر فتلزمكم التفرقة.
قلنا: ليس الْمَذهَب مَحصورا في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هو قول لبعضهم، وقد صرَّح آخرون بأَنَّه طاهر فغسله تعبُّد، وإن نسب أبو مُحمَّد إليهم القول الأَوَّل فقط فكثيرا ما يتساهل في النسبة وحكاية الإجماع والاتِّفَاق.
سلَّمْنَا، فَمن [أين] لكم بأن نَجاسة الْمَيِّت أشدّ من سائر النجاسات.
ويُعتَرَض بأَنَّه إن سلَّمتم أنَّ الغسل للنجاسة فقد ثبت التفاوت في النجاسة اتِّفَاقا.
وأيضا: فقد قيل: إِنَّه لا يُجزئ في غسل النجاسة أقلّ من ثلاث غسلات فيكون هذا مثله، ولا جواب عَن هذا الاعتراض إذا سلَّمنا أن الغسل /122/ للنجاسة.