الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٢قال ابن الْمُنذر: إن كان البحر الذي ألقي فيه الْمَيِّت الأغلب منه أن يخرج أمواجه إِلَى ساحل الْمُسلِمين، فعل به ما قال الشافعي، وَإِلاَّ فعل به ما قال عطاء.
وهَذِه كُلّها استحسانات، ومرجع الكلِّ إِلَى اعتبارين: أَحَدُهُما: جعل البحر مكان الأرض، وهو الوجه لأقوال الْمثقلين بالحجارة ونحوها، فإِنَّهم إِنَّمَا حاولوا رسوب /354/ الْمَيِّت في قعر البحر ليكون ذَلِكَ قبره.
وثانيهما: جعل البحر سبيلا إِلَى البر لَعَلَّ الله تَعَالَى أن يقيِّض له من يدفنه، وهو الوجه لأقوال الذين رجوا دفنه في البر وحاولوا حفظه بالألواح، وذَلِكَ أقصى ما يُمكن من جهازه عِندَهم، والكلُّ سائغ.
وما أقوى نظر ابن الْمُنذر في اختياره حيث اختار الرسوب حيث يكون البحر إِلَى ناحية المشركين، واختار غَيره حيث يكون إِلَى ناحية الْمُسلِمين؛ لأَنَّ الرجاء ها هنا يَحصل دون الْحالة الأولَى، بل رُبَّمَا يخشى في بروزه إِلَى الْمُشرِكين مفسدة عظيمة فيكون تثقيله في البحر واجبا، وَاللهُ أَعلَم.
وأَمَّا الذي يتعذَّر فيه بعض الدفن فكالذي يَموت في الأرض الصلبة الشديدة أو اللينة السهلة بِحيث لا يُمكن فيها اللحد ولا الشقّ وذَلِكَ كالرمُول، فإِنَّه يحفر ما أمكن حفره في الأرض الصلبة ثُمَّ يوضع في حفرته، ويوارى بِما أمكن من الْمواراة، فإن أمكن أن يجعل ما يحول بينه وبين التراب الذي يلقى عليه فعل به ذَلِكَ، وَإِلاَّ ألقي /355/ عَلَيهِ التراب، وإن لَمْ يُمكن التراب وَإِنَّمَا أمكن الْحصى والْحِجارة جعل عَلَيهِ ذَلِكَ، فإن لَمْ يُمكنهم إِلاَّ طرح الْحِجارة والحصى عليه طرحوا ذَلِكَ، وإن خافوا يحدثوا فيه بذَلِكَ عِندَ أبي سعيد؛ لأَنَّهم مؤدُّون لفرضهم.