معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٩

وفي ثبوت وصيَّته تردَّد أكثر الْمُتأخّرين عَلَى ثبوتِها، حَتَّى أَنَّهم فرعوا عَلَى ذَلِكَ فروعا بِحسب القضايا، حَتَّى أن السهيلي من قومنا عكس الْمَعنَى فجعل الطعام الذي عمل لآل جعفر أصلا في طعام التعزية، قال: وتسميه العرب "الوضيمة" كما تسمِّي طعام العرس "الوليمة"، وطعام القادم من السفر "النقيعة" وطعام البناءِ "الوكيرة".

وقد بالغ بعض قومنا في إنكار هذا الْمَعنَى وقال: إِنَّه حرام من أقبح الْمحرمات؛ لأَنَّه مُحدث، وثبت في الْحَدِيث الصَّحِيح أن «كُلَّ مُحدَثٍ بِدعَة، وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلاَلَة».

وليس هذا الاستدلال بالقويِّ؛ لأَنَّ الْمُرَاد بالْمُحدث في لفظ الْحَدِيث الْمُحدَث في الدين لا في عادات الناس وأحوالهم.

ومن الْمَعلُوم أن أمر الطعام ليس من أمر الدين في شيء وَإِنَّمَا هو /366/ من عادات الناس، لكنَّها عادة خالفت العادة في زمان النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأقصى ما يُمكن أن يقال فيها إِنَّها مكروهة وإنَّها بدعة، وليس كُلّ بدعة حراما، فقد سَمَّى عمر الاجتماع عَلَى التراويح بدعة وقال: "نعمت البدعة"، وقد وصفوا البدعة في مواضع بِأَنَّها بدعة حَسنة، ولو كان كُلّ محدث بعد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ضلالة لضاق عَلَى الناس الْمسلك فينافي ذَلِكَ يسر الدين وسهولة الْحنيفية.

وليت شعري، ما يقول هذا الْمعترض في تأليف الكتب فإِنَّها حادثة أيضا، فإن اعترف أن بعض الْمحدثات ليس بضلالة، وَإِلاَّ لزمه أن يكون ضالاًّ أيضا؛ لأَنَّه قد ألف التآليف وأكثر منها، ولكن القول الْحَقّ أن يقال: إِنَّهَا بدعة مكروهة، وأن الوصيَّة بِهَا وصيَّة بِمكروه، وأن للحاكم أن ينظر في أحوال الناس، فإن اقتضى نظره الإنكار أنكر بعد أن يمنعهم منه، ولا تثبت بعد حجر الْحَاكم وصيَّة؛ لأَنَّه مطاع في /367/ الأمر والنهي، قال الله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وَالله أعلَم.

٣٬٧٩٨ / ٥٬٣٨٩