معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٢

فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}، قالوا: والتعذيب إِمَّا أن يكون في حال موته وهو مُحال، وَإِمَّا أن يكون بعد ردِّ الروح إليه فيلزم أن يذوقوا الْمَوت غير الْمَوتة الأولَى وهو مُخالِف للآية.

والْجَوَاب: أن هَذِه الآية في أهل الْجَنَّة خاصة، ألا ترى إِلَى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ وَلَمْ يذكر حالهم قبل دخول الْجَنَّة فلا دليل عَلَى نفي الإماتة /387/ الثانية في القبر إن ثبتت الْحَياة.

سَلَّمنا، فغاية ما في الآية نفي ذَلِكَ عن الْمُؤْمِنين الْمستوجبين للجنة، فأين الدليل عَلَى نفيه عن غيرهم؟

قال ابن الْمنير: "وأشكل ما في القضية أَنَّه إذا ثبتت حياتُهم لزم موتهم بعد هَذِه الْحَياة ليجتمع الْخلق كُلّهم في الْمَوت عِندَ قوله تَعَالَى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيلزم تعدّد الْمَوت وقد قال تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، قال: والْجَوَاب الواضح عِندِي أن معنى قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ أي: ألَم الْمَوت، فيكون الْمَوت الذي يعقب الْحَياة الأخروية بعد الْمَوت الأَوَّل لا يذاق ألَمه البتة، ويَجُوز ذَلِكَ في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الْمَوت إِلاَّ للمؤلِم عَلَى ما فهموه لا باعتبار كونه ضدَّ الْحَياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الْحَياة الثانية ضدا بعد مهلة لا يُسَمَّى ذَلِكَ الضدّ موتا وإن كان للحياة ضدٌّ جمعا بين الأدلَّة /388/ العقلية (والنقلية) واللغوية"، هَذَا كلامه.

وَيَدُلُّ عَلَيهِ قول الْملكين في بعض الأحاديث أَنَّهما يقولان للسعيد: «نَم نَومَةَ الْعَرُوسِ»، وللشقيِّ: «نَم نَومَةَ السَّلِيمِ»، ومع ذَلِكَ ففيه تكلُّف لا يَخفى.

والجواب الواضح: ما قدمت لك.

قالوا قوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وقوله إخبارا عن الكفَّار: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهم كَانوا غير معذبين في القبر، إذ لو عذِّبوا فيه لَما جعلوا تلك الْمُدَّة ساعة وَلَمَا سَمُّوا القبر مَرقدا؛ لأَنَّ الْمعذّب يستطيل الْمُدَّة ويشتدّ عَلَيهِ الْمَوضِع.

والْجَوَاب من وجهين: أَحَدُهُما: ما يروى عن ابن عَبَّاس: "أَنَّه يرفع عنهم العذاب بين النفختين"، فيكون هذا الوصف لتلك الْمُدَّة التي لا عذاب فيها.

وثانيهما: يَحتمل أَنَّهم شاهدوا الأهوال المستقبلة والعذاب السرمدي استقصروا ما مضى من الْمُدَّة، ورأوه مَرقدًا بالنسبة إِلَى هذا الأمر العظيم؛ لأَنَّهم /389/ يتمنَّون ألاَّ تقوم الساعة.

وَالْحُجَّة لنا عَلَى ثبوته: آيات وأحاديث رواها الثقات عن الثقات، وعضدتها عِندَ قومنا أحاديث، بل الْجَمِيع جاء عَلَى حدِّ التواتر الْمعنوي فلا سبيل

٣٬٨١١ / ٥٬٣٨٩