الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٥الآية وعرضهم عَلَى النار غدوًّا وعشيا إِلاَّ أن يعنى به في القبر، ولا يَجُوز أن يراد به في الآخرة لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ وهذا غير عرض النار عليهم.
أجاب أبو طاهر: بأن هذا تفسير لقوله تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾، وأَنَّه يريد بذَلِكَ يوم الْقِيَامَة، وأن في الآية تقديما وتأخيرا. والْمَعنَى: يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب، وحاق بِهِم سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، وإن قوله تَعَالَى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ من مجاز اللغة، والمراد به الاستمرار عَلَى حد /393/ قوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وإنَّ كُلّ واحد من الْمَجَاز والتقديم والتأخير واقع في القرآن، وهو من طرق اللغة الْمَشهُورة.
قُلنَا: هذا تكلُّف بغير ضرورة، وخروج عن الظاهر بغير دليل، وعدول عن الأصل بلا مقتضى، وتأوُّل للكتاب عَلَى غير وجهه. سَلَّمنا وقوع ذَلِكَ، لكنَّا نَمنع وقوعه بغير مقتض. أَمَّا الْمَجَاز فلا يكون إِلاَّ بقرينة، وأَمَّا التقديم والتأخير فلا يكون إِلاَّ بِمقتض، وأَمَّا الآيات التي وقع فيها نظير ذَلِكَ فإِنَّها مُخالِفة لِهَذِه الآية لوجود الْمقتضى وظهور الدليل، ولا يَصِحّ أن يُحمل عليها غَيرها مِمَّا لَمْ يكن مثلها في الدلالة؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَخصيص للعموم بغير مُخصّص، وعدول به عن ظاهره بغير دليل.
وأَمَّا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، فالاستمرار فيها ظاهر، وليست آية العذاب مثلها، فإن فيها قوله: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ وهو يقتضي التجدُّد، والحدوث مرَّة بعد أخرى، ولا كذَلِكَ آية الثواب، ثُمَّ إن القادر /394/ الحكيم قد أنزل الآية عَلَى طريقة يفهم منها بظاهرها الْمَعنَى الْمُرَاد منها، وتأويلها عَلَى خلاف ذَلِكَ صرف لَهَا عن هذا الْمَفهوم إِلَى معنى لَمْ يفهم إِلاَّ من لفظ الْمتأَوّل، فلو أراد الله من الآية ما ذكره لأَنزلها عَلَى