الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٦حال يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعنَى.
ثُمَّ إنك لو ذهبت تتأَوَّل آيات القرآن بِمثل هذا التأويل لوجدته مُمكنا في كُلّ آية؛ لأَنَّ طريقه التعكيس، فتنقلب بذَلِكَ جَمِيع معاني القرآن، ويأبى الله ورَسُوله والمسلمون ذَلِكَ.
ومنها: قوله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، وذَلِكَ الإماتة مرتين في الْحَقِيقَة لا تحصل إِلاَّ بأن يحيا في القبر مرة أخرى، ثُمَّ يُميتهم في القبر مرة أخرى لتحصل الإماتة مرتين.
أجاب أبو طاهر: بأَنَّه لو صحَّ ذَلِكَ لَحصل الإحياء ثلاث مرَّات لا مرتين: إحياء في دار الدنيا، وإحياء في القبر، وإحياء عِندَ البعث، قال: وهَذِه الآية مفسّرة لقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، /395/ والْمفسَّر قاض عَلَى الْمُجمل، قال: وقد قال الله تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، وذَلِكَ يوجب تناقض القرآن مهما فسرت الآية عَلَى ذَلِكَ.
قُلنَا: لا تناقض؛ لأَنَّ قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، يَعنِي: الْجَنَّة لا القبر.
وأَمَّا قوله: إن الإحياء يَحصل ثلاث مَرَّات. فجوابه: إِنَّهم لَمْ يَعتبروا الْحَياة التي في الدنيا لكونها معلومة عِندَهم، وَإِنَّمَا اعتبروا حياة القبر وحياة الحشر؛ لأَنَّهم كانوا ينكرونهما، ويُمكن أَنَّهم لَمْ يعتبروا حياة القبر؛ لأَنَّها حياة في حكم الْمَوت للانقطاع عن الجنس والانفراد بالحبس، ولأَنَّها تعدّ من مقدمات الْحَياة الثانية كما يَدُلُّ عَلَيهِ حديث: «نَم نَومَةَ الْعَرُوسِ»، و «نَم نَومَةَ السَّلِيمِ»، وحقّ لِمثل هَذِه الْحالة أن تضمَّ إِلَى ما بعدها؛ لأَنَّها لا تسبق في الأذهان عِندَ سرعة الْجَوَاب في مقام الدهش والْحيرة، إِنَّها حياة مستقلّة. ثُمَّ تفسير الْمَوت بالعدم الأصلي /396/ مَجاز إِلَى قرينة، ولا يكفي ذَلِكَ كونه موجودا في بعض آيات القرآن؛ لأَنَّ لِكُلِّ تَجوّز قرينة، وَإِلاَّ لالتبست الْحَقِيقَة بالْمَجَاز، ويكون الواضح مشكلا.