معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٢٧٩

نعم، يَجُوز في موضع الضرورة دفن مَيِّت آخر في ذَلِكَ القبر بعد أن يعلم أن الْمَيِّت الأَوَّل قد فني بطول الزمان، أو بشيء من الدلائل التي عرفوها في أرضهم وبلادهم، كما يقع في الأمصار الكبار كمكَّة -شرَّفها الله تَعَالَى- فإنَّ الأرض فيها تضيق عن موتاها.

وإن وجدت في القبر عِظام الأَوَّلِ عُزلت ناحية، وقُبِر في ذَلِكَ القبر، وإن كان القبر واسعا جمعت العظام والْمَيِّت فيها، وليس هذا بأشدّ من دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، عِندَ الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ، وقد جاءت به السنَّة في شهداء أُحد - رضي الله عنهم - ولا يلزمنا القول بإباحة أرض الْمَقْبَرَة؛ لأَنَّا لَمْ نبحها للتملُّك، وَإِنَّمَا أبحناها لِما جعلت له وهو دفن الأموات، لكن يستشكل النبش بعد الدفن، إذ ليس في دفن /451/ الاثنين والثلاثة نَبش بِخِلاَف ما هنا.

والْجَوَاب: لَمْ نُجوِّز النبش حال الظنِّ ببقاء جثَّته وَإِنَّمَا أجزناه عِندَ الظن بذهابها للضرورة الْحاصلة، وليس هذا بالنبش الْمحرم، إِنَّمَا الْمحرم بعث جثته، وَاللهُ أَعلَم.

الأمر الْخَامِس: في حريم القبر

وَإِنَّمَا يُحرَم عنه كرامة للأحياء واحتراما للأموات، واقتصر العلاَّمة الصبحي عَلَى العِلَّة الأولَى، قال: وكذَلِكَ النهي عن الرعي في الْمقابر وغيره كرامة للأحياء، وإن الْمَيِّت لا يُحسّ بشيء من أمر الدنيا ولا يدركه، وَإِنَّمَا هو عظام رفات في البرزخ إِلَى النفخ في الصور.

وما تقدّم عن جابر بن زيد وغيره من القول بظاهر الْحَدِيث: «أنَّ الْمَيِّتَ يَسمَعُ قَرعَ نِعَالِ القَومِ عِندَ رُجُوعِهم مِن دَفنِهِ … » يُخالف ما ذكره ها هنا، وكأن قوله هذا مبيّنا عَلَى إنكار عذاب القبر، وَيَدُلُّ عَلَيهِ قوله

٣٬٨٤٨ / ٥٬٣٨٩