الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩الوجه الأَوَّل: قالوا: "إِنَّ الحمدَ يَجري مَجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل".
قُلنَا: لَيس الحمدُ جاريًا مَجرى مقابلة نعمة الله تَعَالىَ عَلَى جهةِ المكافأة والجزاء، وَإِنَّمَا هو جار مَجرى ذَلِكَ عَلَى جهةِ الامتثالِ للأوامر./15/
وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّ ربَّنا تَعَالىَ أَمرنا أن نُقابل نعمته بالتحميدِ له، فتحميدنا إِنَّمَا هو امتثالُ لذلك الأمر لا مكافأة عَلَى النعمة الصادرة عنه تَعَالىَ، بل هو الغنِيُّ الكامل. وَأَيضًا: فليس الحمدُ بقليل بل الحمد كثير.
يَجب أن يعلم أَنَّ للحمد مَع الله مَنزلة عُظمى، فلا يصحُّ أن يقال له قليل. رَوى الفخر فِي تفسيره عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «إذَا أَنعَمَ اللهُ عَلَى عَبدِهِ نِعمَةً، فَيقُولُ العبدُ: "الْحَمدُ لله"، فيقولُ الله تَعَالىَ: "انظروا إِلَى عبدي أعطيته ما لا قَدْرَ لَه فَأعَطَانِي مَا لاَ قِيمَة لَه"».
الوجه الثَّانِي: قالوا: إِنَّ الاشتغال بالشكر لا يتأتَّى إِلاَّ مع استحضار تلك النعم فِي القلب، واشتغال القلبِ بالنعم يَمنعه من الاستغراق فِي معرفة المنعم.
قُلنَا: لا نُسلِّم أَنَّ الاشتغال بالشكر لا يتأتَّى إِلاَّ عند استحضار تلك النعم، بل يُمكن أن يكون شاكرا ولو لَم يَستحضر النعم فِي ذهنه.
سلَّمنا بِهذا، فلا يكونُ استحضار النعمِ لأجل الشكرِ عَلَيهَا نُقصانا بَل زيادة كمال دلَّ عَلَيها نُصوص القُرْآن، قال تَعَالىَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾، وقال تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقال تَعَالىَ: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا