معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١

الْمَسأَلة الثالثة: كيف يَجب الإتيان بالطاعة؟

حَكى الفخر الرازي: "أَنَّه قيل للسرِّي السقطي: كيف يَجبُ الإتيان بالطاعة؟ قال: إنِّي مُنذ ثلاثين سنَة أستغفرُ الله عَن قَولِي مَرَّة واحدةً "الحمد لله". فقيل: كيف ذَلِكَ؟ قالَ: وقع الحريقُ فِي بغداد واحترقت الدكاكين والدُّور، فأخبرونِي أَنَّ دكَّانِي لَم يَحترِق، فقلتُ: "الحمد لله"، وكانَ معناه أنِّي فرحتُ ببقاء دُكَّاني حالَ احتراقِ دكاكين الناس، وكان حقُّ الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنَا فِي الاستغفارِ مُنذ ثلاثين سَنة عَن قَولي: (الحمد لله).

قال الفخر: فثبتَ بِهذا أَنَّ هَذِهِ الكلمَة وإن كانت /16/ جَليلة القدر، إِلاَّ أَنَّهُ يَجب رعاية مَوضعها.

قُلنَا: لَيس هَذا بِشيء؛ لأَنَّ حَمد الله عَلَى العافية مَشروع، ونَجاة مَالِه من الحرقِ مِن جُملة النِّعم التي يَجب الشكر عَلَيها، فَحمدُه عَلَى نَجاة دُكَّانه من الحرق: إِمَّا واجب أَو مندوب، فَالاستغفار مِن ذَلِكَ حَرام. وَأَيضًا: فإنَّ الفخر بنفسه ذكرَ فِي بيان الفرق بين الحمد والمدح، أَنَّ المدح قد يكون منهيًّا عنه؛ وَأَمَّا الحمد فَإنَّهُ مأمور به مُطلقا، وإذا كانَ الحمدُ مأمورا به مُطلقا فمَا وجهُ الاستغفارِ عَن فعلِ مَا أمرَ الله بفعلِه، بَل الاستغفارُ عن ذَلِكَ حَرام، وَالله أعلَم.

٤١ / ٥٬٣٨٩