الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٠لكنَّ كَلاَم أبِي سَعِيد يُفيد اِتِّفَاق الأصحابِ عَلَى ذَلِكَ، ووافقنَا عَلَى ذَلِكَ الثوري وأهلُ العراق والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد وعوامّ أهل الْعِلْم.
ورُوِيَ عَن الْحَسَن أَنَّه قَالَ: إذا شكَّ في وُضُوئه قبل أن يدخل في الصَّلاَة فَإِنَّه يتَوَضَّأ، وإن شكَّ وهو في الصَّلاَة مضى في صلاته.
وَالْحُجَّة لنَا عَلَى أنَّ الْوُضُوء لاَ يَنتقض بالشكِّ وُجُوه:
أحدها: الأحاديثُ الْمَروِية عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ، فَإِنَّه قد رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه كَانَ يَقُول: «إذَا كَانَ أَحَدُكُم فِي الْمَسجِدِ فَوجَدَ رِيحا بَينَ إِليَتَيهِ فَلاَ يَخرُج حَتَّى يَسْمَعَ صَوتًا أو يَجدَ رِيحًا»، وفي رواية: «إذَا وَجَدَ أَحدكُم في بَطنِه شَيئًا فأَشكَلَ عَلَيهِ أَخرَجَ أم لاَ، فلاَ يَخرجَنَّ مِن الْمَسجِد حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا أَو يَجِدَ رِيحا»، وفي رواية: «إنَّ الشيطانَ لَيَأتِي أَحدكُم وهُو في صَلاته فَيَأخُذ بِشَعرَة مِن دُبرِه فَيمُدَّهَا –وفي رواية: «يَنفخ في دُبره» - فيرى العبدُ أَنَّهُ أحدث، فلا يَنصرف حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا أَو يَجِدَ رِيحا».
الوجه الثاني: أنَّ الطَّهَارَة مُتَيقّنة والنقض مَشكوك، واليقين لا يَرتَفع بالشكِّ.
الوجه الثَالِث: أنَّ الله - عز وجل - قَد أوجبَ عَلينا إِتيَان الطَّهَارَة، فَإِذَا أدَّيناها عَلَى يَقين بَرِئَت الذمَّة من عُهدتِها، وصار ذَلِكَ الأمر ساقطا عنَّا بيقين، فلا يصحُّ إِيْجَابه مَرَّةً أُخرى إِلاَّ بدَلِيل نَعلم بِه أنَّ ذَلِكَ الأداء لَمْ يَجز، أو أَنَّهُ قد انتقض بِما يفسده، والشكُّ لا يصلح أن يثبت عَلَى الذمَّة حُكما قَد تَخلَّصت مِنه بِيَقين، وَالله أَعلَم.