الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٩وأَيضًا: فإنَّ الشرعَ إِنَّمَا وَرد بإبداءِ الزينة عِندَ ذوي الْمحارم، وَلَم يَرِد بِجواز مسِّ الأبدان، فما أباحَ الشرع فهو مباح، وما لَمْ يبحه منهنَّ فحُكمه حُكم سَائِر النساء.
والقائلون بِجواز ذَلِكَ إِنَّمَا قَاسوه عَلَى النظرِ الْمباح منهنَّ.
وقد يُردُّ: بأنَّ بين النظر والْمسِّ فرقًا، إذ اللمس أشدّ من النظرِ، والشرط في القياس أن يُساوي الفرعُ الأصل في علَّته وحِكمته، فإن اختلَّ الشرط فسد القياس، وَالله أَعلَم.
ثُمَّ رَأيت في بَعْض كُتب قومنا أنَّ الصَّحَابَة كَانُوا لا يتوضَّؤون من لَمس الصغِيرة والْمحارم، فإن صحَّ هَذَا الْخَبَر فهو حجَّة للمرخِّصين في لَمسهنَّ؛ لأَنَّ الصَّحَابَة لا يَفعلون ذَلِكَ إِلاَّ لِعلم مَعهم عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ، وَالله أَعلَم.
وَأَمَّا زَوجة الْمرءِ وسريَّته فلا ينقض مسُّ أبدانِهنَّ عَلَيهِ؛ لأَنَّهُ لاَ إثْم عَلَيهِ في مسِّهما خِلاَفا للشافعِي، فإنَّ ظَاهِر مذهبه أنَّ لَمس النساءِ مُطلقا ناقض للوُضُوء مُحتجًّا بِظَاهِر قوله تَعَالَى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ فجعَلَ الْملامسة بِمَعنَى الْمسّ. ورُدَّ: بِأَنَّهُ كِناية عَن الْجمَاع.
وعن مُجَاهِد أنَّ سَعِيد بن جُبير وعطاء بن أبي رباح وعبيد بن عمير اختَلَفُوا في الْملامسة: فَقَالَ سَعِيد بن جُبير وعطاء: هو الْهَمز والْغَمز. وقال عُبيد بن عمير: هُو الْجمَاع، فخرج عَلَيهِم ابن عَبَّاس وهُم كَذَلِكَ فسألوه فَقَالَ: أخطأَ الْموليان وأصابَ العربِيّ، الْملامسة: الْجمَاع ولَكن الله يُكنِّي ويعفّ.