الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٧في معرفة الْمسكين آفتان: الرّياء، والْمنّة، وليس في معرفة الْمتوسّط إلاّ الرّياء.
والْمعنَى أنَّه لا يدافع مع الواسطة إلا آفة واحدة، ويدافع مع الْمسكين آفتين.
قال أبو سفيان: سَمعتُ بعض الْمشايخ مَن أدركت يقولون: إنّا لنذكر إذا دخل شعبان إن كان الفقراء من الْمسلمين لتأتيهم الأحْمال بالسّويق والتّمر، وما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بِها، يأتي الرّجل بالْجمال حتّى يقف به على باب الدار، فيقول: ادخل، فيكتب في خرقة: كلُوا وأطعموا.
واحتجّ الآخرون: بقوله تَعالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، قالوا: والكتمان كفران النّعمة، وقد ذمّ الله - عز وجل - من كتم ما أتاه الله - عز وجل - وقرنه بالبخل فقال تَعالَى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَنْعَمَ الله عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى (أَثَرَ) نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ». /645/
وأعطى رجل بعض الصالِحين شيئا في السّرّ فرفع به يده، وقال: هذا من الدنيا، والعلانيّة فيها أفضل، والسّرّ في أمور الآخرة أفضل. ولذلك قال بعضهم: فإذا أعطيت في الْملأ فخذ ثُمّ اردد في السّرّ، والشّكر فيه مَحثوث عليه، «مَن لَم يَشكُر النّاسَ لَم يشكر الله»، والشّكر قائم مقام الْمكافأة حتّى قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْدَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَأُثْنُوا عَلَيْهِ بِهِ خَيْرًا، وَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».