معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥١

ومن ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذِينَ مَلَكَتَ أَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ … ﴾، زَعم بَعضهم أَنَّها منسوخة، قال القطب: والصحيحُ أَنَّهَا غَير مَنسوخة، لكنَّ الناس تَهاونُوا بالعملِ بِها.

ومِن ذَلِكَ: قوله - عز وجل -: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾، فَإنَّهُ مَنسوخ بقوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ … ﴾.

ومِن ذَلِكَ: قولُه تَعَالىَ: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فَإنَّهُ مَنسوخ بِما بعده.

ومن ذَلِكَ: قوله - عز وجل -: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم﴾ فقيل: منسوخ بآية السيف، وَقيل: بآية الغنيمة، وَقيل: غَير منسوخة.

ومِن ذَلِكَ: قَوله - عز وجل -: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ قيل: نُسخ بآخر السورة، ثُمَّ نُسخ آخرُها بالصلواتِ الخمسِ.

ومِن ذَلِكَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾، فَإنَّهُ منسوخ عند ابن عباس بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَالله أعلَم.

فهذِه المنسوخاتُ القُرْآنيَّةُ دالَّة عَلَى إبطالِ دَعوى مَن أنكَر النسخَ فِي القُرْآن.

قال القطب: ولَيس عِندي مِنَ المنسوخِ آيَة العفوِ والصفحِ، وَالأمر بالتولِّي عَنهم، والأمرِ بتركهم، والإعراض عنهم. قال: وزعَم غَيري أَنَّهُنَّ منسوخات بآية السيفِ، فَكثر بِها عَدد المنسوخ مَع أَنَّهُنَّ لَيست منه كما سأبيِّنه فِي مَواضعه.

أَقُول: وَإِنَّمَا عَدَّها غَيره مِن المنسوخاتِ بِاعتبارِ أَسبَابِ نُزولِها، وَباعتبار المرادِ مِنها، فَإنَّهُ إِذَا أُريدَ بِالعفوِ وَالإعراضِ وَالصفحِ عَن المشركين تَرك قتالِهم، فَإنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَد أمرَ بعد ذَلِكَ بقتالِهم، فَالآيات بِهذا الاعتبارِ مَنسوخة بآية السيفِ، وهذَا المعنَى هُو الذِي اعتبَرَه القائلون بنسخها. وَأَمَّا بِاعتبار المعنَى الظاهرِ فإنَّ الشرعَ قَد أقَرَّ العفوَ

٥١ / ٥٬٣٨٩