معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٤

وإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أفضل مِن حَيثُ إنَّهُ أبعد مِن الْمظنَّة، وذَلِكَ يَقتضي أنَّ عِندَ الْمظنَّة يلزمهنَّ أن لا يضعن ذَلِكَ كما يلزم مثله في الشابَّة، وهَذَا كُلّه إذا لَمْ يُردن إظهار الزينة التي حرَّم الله إظهارها، فإن أرَدن تَبَرُّجا حرِّم عَلَيهِنَّ ذَلِكَ.

وفي هَذِهِ الآية إشارة إِلَى أنَّ الْمباح يَنقلب بقصدِ الْمَعصِيَة حراما، وَالله أَعلَم.

الْفَرعُ الثَالِث: في التبَرُّج:

وهو تَكلُّف إظهار ما يَجِب إخفاؤه، من قولِهم: سفينة بَارج: لاَ غطاء عَلَيْهَا، ثُمَّ نقل إِلَى انكشاف الْمَرأَة للرجال بزينتها وإظهار مَحاسنها، وهو حَرام؛ لِقَولِه تَعَالَى: ﴿قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ … ﴾ الآية.

ففي هَاتين الآيتين ما يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الستر، وبوُجُوبِ ذَلِكَ يَحرم التَّبَرُّج؛ لأَنَّهُ ضدّه، ثُمَّ إنَّ قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ صريح في النهيِ عن التَّبَرُّج الْمَذكُور، ثُمَّ أكَّد - سبحانه وتعالى - هَذَا النهي بقوله: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِليَّةِ الْأُولَى﴾.

قِيلَ -وَالله أَعلَم-: إنَّ الْجَاهِليَّة الأُولَى التي وُلِد فيها إبراهيم - عليه السلام - كانت الْمَرأَة تلبس الدرع مِن اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها عَلَى الرجال، ولا شَيء عَلَيْهَا سواه.

٥٢٤ / ٥٬٣٨٩