الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥الْمَسأَلة الرابِعَة: [الحكمة فِي بِعثَةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فَتَْرَة]
الحكمة فِي بِعثَة نَبِيِّنَا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فَترَة مِن الرُّسُل هِي أَنَّ التغيِير والتحريفَ قَد تطرَّقَ إِلَى الشرائِعِ المتقدِّمَة لتقادُمِ عَهدِها وطول زمانِها، وبسببِ ذَلِكَ اختلطَ الْحَقُّ بالباطلِ، والصدقُ بالكذبِ، وصارَ ذَلِكَ كَالعذر الظاهرِ فِي إعراضِ الخلقِ عَن العباداتِ، فَبعثَ الله تَعَالىَ فِي هذَا الوقتِ مُحَمَّدا - عَلَيه الصلاَة وَالسَّلام - إزالَة لِهذَا العذرِ كمَا يَدُلُّ عَلَيه قَوله تَعَالىَ: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وَالله أعلَم.
الْمَسأَلة الْخَامِسَة: [بَيَان الشَّرْع والشَّرِيعَة]
الشَّرْع: بِمعنى الشَّرِيعَة، وهِي اسمٌ للأحكامِ الجزئيَّة التي يَتهذَّب بِهَا المكلَّفُ معَاشا ومَعادًا، سوَاء كانَت مَنصوصَة مِن الشارع أَو رَاجِعَة إِلَيه، وكلُّ فِعل أَو ترك مَخصوص مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ صَريحا أَو دَلالَة فَهو مَشروع.
قال أبو البقَاء: فَإطلاقُه عَلَى الأصولِ الكليَّة مَجاز، وإن كانَ شَائعا بِخلافِ الملَّة، فَإنَّ إطلاقَها عَلَى الفروعِ مَجاز، وتُطلَق عَلَى الأصولِ حَقيقَة كالإيمانِ بالله وملائكتِه وكتُبِه وغيرِ ذَلِكَ.
قال: ولِهَذا لا تَتبدَّل بالنسخِ، ولا يَختلفُ فِيها الأنبياء، ولا تُطلَقُ عَلَى آحادِ الأُصُولِ، وقَد وردَ الشَّرْع عندنَا وعِند الأَشْعَرِية كَاسْمِه مُنشِئًا للأحكامِ، ووَرَدَ عندَ الْمُعتَزِلَة مُبيِّنًا ومؤكِّدا لِحكمِ العقلِ، وهي مَسألة تَحكيمِ الْعَقْل، وسَيأتي بَيَانُها والكلامُ عَلَيها إن شَاءَ الله تَعَالىَ، وَالله أعلَم.