معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨

فإن قِيلَ: يلزم عَلَى هَذَا تَحريم النظر حَتَّى عِندَ الضرورة.

قُلنا: قد ثبت بالدَّلِيل أنَّ حُكم الاضطرار مُخالف لِحُكم الاختيار، وقد قال تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال الله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

ولَعَلَّ حجَّة الْمجوزين: ما ثَبت في بني قريظة حين حَكم سعد بن معاذ بِقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، وَكَانَ ذَلِكَ بِحَضرة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ كشفوا عن الذراري فمن وَجدوه قَد أنبت قتلوه، ومَن لَمْ يُنبت مِنهُم تَركوه، وَكَانَ هَذَا الاستكشاف تَطلُّعا عَلَى عَوراتِهم لأجلِ الْحُكم فيهم، فدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوازِ النظرِ إِلَى الفروج لِمَعنَى الأَحكَام، فَإِنَّهم وَإن كَانُوا يَهودا مُشركين فلا يَحلُّ النظر إِلَى عوراتِهم.

فهَذِهِ هي الْحجَّة لِمَن أجاز ذَلِكَ، ومع ذَلِكَ فلا يعارض هَذَا الْخَبَر إشارة القرآن، وَالله أَعلَم.

وَأَمَّا التجرُّد لغَيْر مَعنى، فإن كَانَ عِندَ من يراه فهو حرام؛ لِقَولِه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.

ورُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العورات مَا نَأتِي منها وما نَذر"؟ قَالَ: «إِن استَطَعْتَ أَن لاَ يَرَاهَا أَحَد فَلاَ يَرَاهَا»، فَقَالَ السائل: إن كَانَ أَحدنا خاليا؟ قَالَ: «فَالله أحقُّ أَن يُستَحيى مِنه».

قِيلَ: إِنَّه قَالَ: «استُرْ عَورَتكَ إِلاَّ مِن زَوْجَتِكَ أَو مَا مَلَكَت يَمِينُك». وفي رواية أُخرى: «احفَظَ عَورَتَكَ إِلاَّ مِن زَوجَتِكَ أَو مَا مَلَكَت يَمِينُكَ».

٥٥٨ / ٥٬٣٨٩