الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦١النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَكُم تُراعُونَ عَن ذِكرِ الفَاسِقِ، اذكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيه يَعرفهُ النَّاس».
ورُوِيَ عن ضمام أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِجابر بن زيد: أرأيت الرجل يَكُون وقَّاعا في الناس فَأقع فيه، ألَه غيبة؟ قَالَ: لا. قِيلَ: ومَن هو الذي تَحرم غيبته؟ قَالَ: رجل خفيف الظهر من دماء الْمسلمين، عفيف بطنه من أموالِهم، أخرس اللسان عن أعراضهم، فهَذَا الذي تَحرم غيبته، وما سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه.
قُلتُ: وهَذَا الكَلاَم لا يَدُلُّ عَلَى جَواز غيبة الْمجهول؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا أجاز ذَلِكَ فيمن اتُّصف بضدِّ تِلْكَ الْخِصَال لا فِيمن لَمْ يعلم منه عدم الاتِّصاف بِها، فلا بدَّ من تقييدٍ لإطلاق كَلاَمه -رحمه الله تَعَالَى-.
قال ضمام: قلت له: يا أبا الشعثاء، ما تقول في الرجل يُعرف بالكذب ألَه غيبة؟ قَالَ: لا. قُلتُ: فالغاشُّ لأمَّة مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: لاَ غيبة له ولا حُرمة. قُلتُ: فالصانع بيده يغشّ في عمله أله غيبة؟ قَالَ: لا. قُلتُ: ولِمَ؟ قَالَ: أكلَ الْحرام فلا غيبة له ولا حرمة، وهُو مهتوك الستر، ألاَ لا غيبة لِكُلِّ مهتوك الستر، ولا حرمة له عِندَ رَبِّ العَالِمين، فكيف عِندَ الْمخلوقين؟ قُلتُ: فَإِنَّه يكذب أحيانا ويتوب أحيانا، ويغشُّ أحيانا ويتوب أحيانا، فأيُّ صنف هَذَا من الناس؟ قَالَ: هَذَا رجل مستخفّ بالله، مُستهزئ بالأمَّة، وَالله أَعلَم.
ولا بأس أن يذكر في هَذَا الْمَقَام بَعْض الروايات والآثار الْمنفِّرة عن الغيبة حَتَّى يَجتنبها السامع، ويَحذر من الوقوع فيها مَنْ كَانَ يَرجو الله واليوم الآخر.