الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥وَالصَّحيح أنَّ ذَلِكَ مُجز لَها؛ لِما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ كَثيرًا عَلَى نِسَائِهِ بِغُسلٍ وَاحدٍ»، وكثيرا ما كان يغتسل إذا طاف عَلَيْهِنَّ عند هذه وعند هذه، ويقول: «هُوَ أَزكَى وَأَطيَبُ وَأَطهَرُ».
وعن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «إذَا أَتَى أَحَدُكُم أَهلَهُ ثُمَّ بَدَا لَه أَن يُعاوِدَ فَليَتَوضَّأ بَينَهمَا وُضُوءًا». زاد في رواية: «فَإنَّهُ أَنشَط لِلعَودِ».
فهذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الغُسْل الواحد مُجز للمرَّات الْمتعدِّدة من الْجَنَابَة، فيجب أن يكون الْحَيْض كالْجَنَابَة لاتِّحادهما في الْمَعنَى؛ لأَنَّ الْجَنَابَة الواحدة مُوجبة للغسل، وكذَلِكَ الْجَنَابَة الثانية موجبة للغسل عَلَى حِدة، فلمَّا دلَّنا الشارع عَلَى الاكتفاء بالغُسْل الواحد عن السببين، علمنا أنَّ تعدُّد الأسباب لا يَستلزم تعدُّد الأحكام.
وناهيك أنَّ الأحداث الْخارجة من السبيلين وغيرها عَلَى كثرة تعدُّدها كُلّ واحد منها بنفسه موجب للوضوء، فإذا اجتمعت أَجزَأَه منها وضوء واحد، ولا يلزم أن يَتَوَضَّأ لِكُلِّ حَدث وضوءً عَلَى حياله، إِلاَّ إذا اخْتَلَفت أوقات الأحداث، فَإنَّهُ إن أحدث وتوضَّأ ثُمَّ أحدث لزمه الوضوء من الْحدث الآخر.
أَمَّا لو تتابعت الأحداث قبل أن يَتَوَضَّأ فلا يلزمه إِلاَّ وضوء واحد. فكذَلِكَ تتابع موجبات الغُسْل، فَإنَّهَا إن تتابعت قبل أن يغتسل من السبب الأَوَّل فالغُسْل الواحد مُجزٍ له عن جَمِيعها، وإن تفرَّقت كان لِكُلِّ واحد غسل.