معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٠

وَأيضًا: فَإنَّهُ نقل أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتمضمض ويستنشق في اغتساله، فلا وجه لإسقاط ما قامت الأَدِلَّة عَلَى ثبوته.

وَاحتَجّ الشافعي بقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: «أَمَّا أَنَا فَأَحْثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَث حَثيَاتٍ، فَإذَا أَنَا قَدْ طَهُرتُ».

قُلنَا: لا دليل في الْحَدِيث عَلَى إسقاط المضمضة والاستنشاق، /325/ إذ لو دلَّ عَلَى إسقاطها لدلَّ عَلَى إسقاط غسل سائر الْجَسَد ما عدا الرأس، فَإنَّهُ لَمْ يذكره في الْحَدِيث كما لَمْ يذكر المضمضة والاستنشاق ولا قائل بذَلِكَ.

والْحَدِيث إِنَّمَا هو بيان لِحكم الغرفات عَلَى الرأس، لا بيان لِجَمِيع كيفية الغُسْل، وقد مرَّ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قال ذَلِكَ لِوفد ثَقيف حين ذكروا له أن بلادهم باردة، فقال: «أَمَّا أنا فَأحثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَث حَثيَات» فسياق الْحَدِيث يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ من الغُسْل وإن كانت البلاد باردة لا أنَّ ذَلِكَ الْحال هو نفس الغُسْل.

وَإِنَّمَا لَمْ يعذروا من الغُسْل مع برودة بلادهم؛ لأَنَّهم قد ألفوا ذَلِكَ البرد وتعوَّدوه فلا يضرُّهم غالبا، أَمَّا إذا أفضى ذَلِكَ الحال إلى ضرر في نفس الْمغتسل وجب العذر؛ لِما روي أنَّ عمرو بن العاص كان أميرا عَلَى الْجيش في غزوة ذات السلاسل فخاف من شدَّة برد الْمَاء فتيمَّم وصلَّى، فلمَّا قدم عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره أصحابه عنه بذَلِكَ، فقال: «يَا عَمرُو، وَلِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ؟» أو قال: «مِن أَينَ عَلِمتَ ذَلِكَ؟» فقال: يا رسول الله، إِنِّى سَمعت الله يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ولَم يردّ عَلَيْهِ شيئا»، ولَمَّا كان الْخائف عَلَى نفسه الضرر معذورا من الاغتسال ويعدل إلى التيمُّم عدل رسول الله - صلى الله

٦٧٠ / ٥٬٣٨٩