معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٦٠

الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع ونصف، يقول: ابقي لِي، وأقول: ابق لِي».

ووجه الاحتِجَاج: أنَّ الْمغتسلين من إناء واحد لاَ بُدَّ أن يفضل أحدهما الآخر بشيء.

قُلتُ: الرواية في آثار أَصحَابنَا الْمشارقة أَنَّهَا قالت: «اغتسلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاعين ونصف، وكنَّا نتنازع الْمَاء من إناء واحد، كُلّ واحد منَّا يقول لصاحبه: ابق لي».

والرواية الأولى هي رواية الإيضاح، فإن صحَّت تلك الرواية فالاستدلال بِها ظاهر.

إن كانت الرواية عَلَى ما في كتب الْمشارقة فلا دليل فيها؛ لأَنَّ النزاع إِنَّمَا يكون في النصف الفاضل عن الصاعين؛ فيكون لِكُلّ منهما صاع تام، ويبقى النزاع في النصف، كُلّ منهما يريد من صاحبه أن يبقي له منه.

ثُمَّ إنَّ أبا مُحَمَّد حكى الرواية عَلَى ما في كتب المشارقة وجعلها دليلا عَلَى قوله بعدم التقدير بالصاع.

وقد عرفت أَنَّهُ لا يتمُّ الاستدلال بِها إِلاَّ عَلَى رواية الإيضاح. ويُمكن الْجمع بين الروايتين بأن يقال: إنَّ كُلّ ذَلِكَ قد وقع، فمَرَّة كان الاغتسال بصاع ونصف، ومَرَّة بصاعين ونصف، فهما واقعتان لا واقعة واحدة، وعَلَى هذا فلا بأس بتعدُّد الروايات لتعدُّد الْحوادث، ولأَنَّ كثرة الْمَاء في الاغتسال غير مَحصور بِمقدار، وإن كره الإكثار فيه من صبِّ الْمَاء.

وَاحتَجّ أبو مُحَمَّد أيضا: بأنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَجوز أن يظنَّ فيه أَنَّهُ يأمر بالصاع لِكُلِّ من لزمه الاغتسال مع علمه باختلاف أحوال الناس، وفيهم من لا يُحسن الاقتصاد في الْمَاء، وفيهم من درايته بذَلِكَ

٧٠٠ / ٥٬٣٨٩