معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١١٨

مضطرًّا إلى أَكله؛ فإباحة أكل ذَلِكَ إِنَّمَا هي لدفع الضرر عن الْجَسَد لا لِنفس التقوِّي لأداء الفرائض؛ فإنَّ الربَّ تَعَالَى كريم تعبَّدنا بأداء الفرائض عند القدرة عَلَيْهَا، وحطَّها عنَّا عند العجز عن أدائها، ولم يأمرنا أن نتقوَّى عَلَى أدائها بِما حجره علينا؛ وَإِنَّمَا أباح لنا عند الضرر أكل ما حجر علينا من الْميتة والدم ولَحم الخنزير رأفة بنَا، ودفعا للضرِّ عنَّا، وَاللهُ أَعلَم.

وفيه أيضا جواز ترك الْمَاء الْمُتنَجّس في الإناء لينتفع به من جاء، وهو مُشكل؛ لأَنَّ في تركه كذَلِكَ غشًّا للآتي؛ لأَنَّه قد يكون الآتي من بعد مُستغنيا عن استعمال الْمَاء الْمُتنَجّس، فإذا وجد ماء في غير البركة الْمعلوم نَجاستها حكم عَلَى ذَلِكَ الْمَاء الْمنفصل بنفسه بالطهارة؛ لأَنَّ الطهارة هي الْحُكْم في الْمِيَاه؛ فقد يستعمله آخذا بظاهر الْحُكْم مع استغنائه عنه، ولا قول فيه إِلاَّ أَنَّهُ سالِم.

لكن بقي النظر فيمن ترك الْمَاء الْمُتنَجّس منفصلا عن البركة الظاهرة نَجاستها، هل يسعه ذَلِكَ؟ إذ بِسببه يتأتَّى لِمن جاء من بعده استعمال الْمَاء وإن كان غير مُحتاج له.

وهل هذا غشٌّ للقادم أم لا؟ والظاهر أَنَّهُ غشّ فيجب اطِّراحه في مَحلِّه.

ولك أن تقول: إنَّه غير غشّ إذا لَمْ يَقصد الغشّ، بل يَجوز له أن يتركه في مَحلِّه الذي يباح له تركه فيه، فإن استعمله مستعمل بِما ظهر له من الْحُكْم كان سالِما لأخذه بالْحُكْم، وكان الأوَّل سالِما لِفعله ما يَسعه، وهذا وجه الأثر الْمَذكُور.

٧٥٨ / ٥٬٣٨٩