الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٢وعَلَى القول الأَوَّل أَصحَابنَا الْمَشَارِقَة -رحمهم الله تَعَالَى-، حَتَّى أَنَّهُم اختَلَفُوا في نَزح البئر بوقوع الشاةِ فيها فخرجت حيَّة، فقال أبو زياد: تنزح منها؛ لأَنَّ فيها مَجاري البول.
وقال مُحَمَّد بن مَحْبُوب: لا تنزح؛ لأَنَّ الشاة طَاهر، وإن بالت ويبس مَوضع البول فهو طاهر إِلاَّ أن يعلم بِها بول رطب حين وقعت فيها فتفسد. والْمنقول عن علي بن أبي طالب يَقتضي ما عَلَيْهِ الْمَشَارِقَة مِن ثبوت النزح بوقوعِ النَّجَاسَة مطلقا.
وكأنَّ القائلين بِأَنَّه لا يَجب النزح إِلاَّ بوقوع الْميتة والدم ولَحم الخنزير نظروا إلى فعل ابن عباس وابن الزبير في زَمزم؛ فَإنَّهُم إِنَّمَا نزحوها لزنجي مات فيها، ثُمَّ قَاسوا الدم ولَحم الْخنزير عَلَى الْميتة لاشتراكها في التحريم الْمَنصُوص عَلَيْهِ، بقَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾، وَاللهُ أَعلَم.
وإذا اتَّضح لك الفرق بين مذهب الْمَشَارِقَة في نَزح البئر وبين ما يقتضيه مذهب الْمغاربة عَرفت أنَّ الْخِلاَف في ذَلِكَ لا يُفضي إلى كبير فَائدة؛ فَإنَّهُم متَّفقون عَلَى نزح البئر القليل ماؤها لأجل السنَّة والتنظيف، ويَختلفون في نزح البئر الكثير ماؤها:
فالْمغاربة يوجبون نزحها أيضا لا للتنجيس بل للسنَّة.
والْمَشَارِقَة لا يرون ذَلِكَ؛ فَهم يقصرون النزح عَلَى البئر التي تتنجَّس بوقوع النجس فيها.