الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٦ثُمَّ اخْتَلَف القائلون /398/ بذَلِكَ من أَصحَابنَا في الْجُنُب الْمُسَافِر إذا علم بِجنابته ثُمَّ نسيها ثُمَّ تَيَمّم لصلاة فَريضة أو نافلة:
- فَقالَ بَعضُهم: يُجزِئُه ذَلِكَ للجنابة والصلاة.
- وقال آخرون: إن كان ناسيا لِجنابته ثُمَّ تَيَمّم لذَلِكَ أَجزَأَه، وإن كان لَمْ يعلم أَنَّهَا أصابته، فَإنَّهُ لا يُجزِئُه ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّه يُجزِئُه ذَلِكَ ولو كان جاهلا بِها.
وقد مرَّ توجيه هذه الأقوال مع ذكر النيَّة للاغتسال، وبقي هاهنا أن نقول: إنَّ الأقوال الثَّلاَثة كُلّها مبنيَّة عَلَى مَذهب من يَجتزي بتَيَمّم واحد للغسل والصلاة، أَمَّا عَلَى قول من يرى أنَّ لِكُلِّ واحد تَيَمّما فلا تَخرج هذه الأقوال صحيحة عَلَى ذَلِكَ الْمَذهَب؛ إذ لاَ بُدَّ من تَيَمُّمَين، والواقع إِنَّمَا هو تَيَمّم واحد، وَاللهُ أَعلَم.
وحجَّتنا عَلَى وُجُوبِها ما تَقَدَّم من الاحتِجَاج في باب الْوضُوء، وأدَلُّها عَلَى الْمطلوب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنيَّاتِ»، والتَّيَمُّم عمل، وَأيضًا: فقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمّمواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ دالٌّ عَلَى ذَلِكَ، إذ التَّيَمُّم عبارة عن القصد؛ فدلَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ من النيَّة.
وَاحتَجّ الْمُوجِبون للنيَّة في التَّيَمُّم دون الْوضُوء بأنَّ التَّيَمُّم طهارة ضعيفة فتحتاج لتقويَّتها بالنيَّة، ولأَنَّ الْمَاء خُلق مُطهِّرا، والتراب ليس كذَلِكَ، وكان التَّطَهُّر به تَعبُّدا مَحضا فاحتاج إلى النيَّة إذ التَّيَمُّم يَنبَني لغة عن القصد فلا يتحقَّق دون القصد بِخِلاَف الْوضُوء، وقد مرَّ أَنَّهُ لا فرق بينهما، وأن النيَّة شرط في صحَّة الْجَمِيع.